الثلاثاء، 29 نوفمبر، 2011

مدير مركز الرواق الليبي: ليبيا ليست العراق..

لابد من تطهير السفارات والتعليم من بقايا النظام
همام عبدالمعبود
اعتبر الناشط الليبي عبد الحميد الكبتي، أن أبرز إنجازات ثورات الربيع العربي، أنه كسر حاجز الخوف الذي كان متراكمًا عبر السنين، لدى الشعوب من الحكام المستبدين، الذين حكموهم بالحديد والنار،
مشددًا على أهمية وضع دستور للبلاد، التي عاشت طيلة الأربعين سنة الماضية بلا دستور، الأمر الذي جعلها في حالة فوضى مستمرة، وهو ما انعكس على كل مناحي الحياة فيها.
وشدد الكبتي، مدير مركز الرواق للتعليم والتدريب والتنمية البشرية، في حوار خاص لموقع "المسلم"، على أهمية إقامة المشاريع التي تستوعب الثوار، وتصنع منهم أداوت بناء في المجتمع، لأن لديهم احتياجات مالية واجتماعية وتنموية وتطويرية، مطلوب من الدولة العمل على إشباعها، مشيرًا إلى أن "غالبية المجتمع الليبي تم تغييبه عن المشهد الحضاري العالمي".
ونفى الكبتي وجود تشابه بين الحالتين الليبية والعراقية، فالذين يحكمون العراق اليوم جاءوا فوق الدبابة الأمريكية، وبالتالي فهم يخدمون أجندات خاصة؛ ليست عراقية صرفة، والجميع يعلم أن الحكام الحاليين في العراق لا يعبرون عن إرادة الشعب العراقي، وأن العملية الديمقراطية في العراق ليست سوا لعبة بينة، أما في الحالة الليبية فالوضع مختلف تماماً، فالذين حرروا الأرض وأطاحوا بهذا النظام الظالم هم أبناء الوطن، وبالتالي فإن الكلمة الأولى والأخيرة لهم وليست لسواهم.
وأوضح أن النظام السابق للعقيد معمر القذافي منع قيام أغلب الفعاليات الدعوية في المساجد، إلا النزر اليسير، لكنه لم يمنع تحفيظ القرآن؛ فاقبل الناس عليه (حفظ القرآن) أفواجًا، وضربوا في ذلك الرقم العالي، معتبرًا أن "الشعب الليبي قدم تضحيات كبيرة في الأنفس والأموال" وأنه لن يسمح بضياع ثورته، وأكد أن "الإعلام الناجح يحتاج إلى مناخ من الحريات والمهنية والإبداع".
مزيد من التفاصيل في نص الحوار التالي:
* إعادة إعمار ليبيا.. أول أهداف ما بعد التحرير، فكيف نضمن ألا نتحول إلى عراق آخر في هذا الملف؟
** بداية أود أن أشير هنا إلي أنه لا يوجد وجه تشابه بيننا وبين الحالة العراقية، فالذين يحكمون العراق اليوم جاءوا فوق الدبابة الأمريكية وبالتالي فهم يخدمون أجندات خاصة؛ ليست عراقية صرفة، والجميع يعلم أن الحكام الحاليين في العراق لا يعبرون عن إرادة الشعب العراقي، وأن العملية الديمقراطية في العراق ليست سوا لعبة بينة، أما في الحالة الليبية فالوضع مختلف تماماً، فالذين حرروا الأرض وأطاحوا بهذا النظام الظالم هم أبناء الوطن وبتالي الكلمة الأولى والأخيرة لهم وليست لسواهم.
وفي ملف الإعمار يظل الأمر مرتهن بتولي مؤسسات جادة مراقبة هذا الملف، وأن لا يقتصر أمر البث في هذا الملف على أشخاص أيا كانت قدراتهم، لكن قيام مؤسسات رقابية ومحاسبية مستقلة ومجتمعية، يمكننا وقتها أن نتجاوز المثال الذي أشرت إليه حضرتك.
وهنا لا يفوتني أن أنوه إلى أن ثمة تضخيم كبير لملف الإعمار؛ من خلال بعض قادة المرحلة السابقة، هذا التهويل قد يكون بابا من أبواب الفساد المالي في هذا الملف، ما لم تعرض الأمور بكل شفافية ومصداقية أمام مؤسسات الدولة ومؤسسات المجتمع المدني المتخصصة.
 * هناك مخاوف من (مصير السلاح الليبي بعد التحرير) فكيف ترى الحل المناسب؟.
** الثوار الذين حملوا السلاح حملوه لإسقاط هذا النظام الظالم، ولتحقيق أهداف ثورة 17 فبراير، النظام قد سقط، وغالبية الثوار حين يتأكدوا أن ليبيا في المسار الصحيح، فلا خوف من ثوار ليبيا في العموم، أما المسؤولية الكبيرة على الدولة الجديدة في ليبيا هي تأمين الحدود، وضبط الجماعات المسلحة، التي لها أهداف غير أهداف ثورة 17 فبراير.
وفي هذا الإطار سيكون الثوار القادمون من جبهات القتال أول العاملين على بسط هذا الأمن، كما أن إقامة المشاريع التي تستوعب هؤلاء الثوار، وتصنع منهم أداوت بناء في المجتمع أمر هام لحل مشكلة السلاح؛ فهؤلاء الثوار لديهم احتياجات مالية واجتماعية وتنموية وتطويرية، العمل على إشباعها خطوة هامة سريعة لحل مشكلة السلاح تماما.
ولو ربطنا بين تحقيق أهداف ثورة 17 فبراير والاطمئنان على مسار الدولة الصحيح نحو الأهداف، لو ربطنا هذا مع استيعاب الثوار بكل صنوف الاستيعاب، فإننا سنحل هذه المسألة بشكل سلسل وحضاري، وفي تجربة نيكاراغوا دليل على ذلك، لكن المهم لا نطالب الثوار بوضع السلاح وتسليمه، في الوقت الذي يهمل فيه قادة المرحلة هذين الأمرين، هذا يجعل الشكوك تزداد في نفوس الثوار، ويجعل تمسكهم بالسلاح له ما يبرره، ولو في نفوسهم هم فقط.
* هل نستطيع الآن القطع بأن الثورات العربية قضت على مصطلح التوريث في العالم العربي؟ ولماذا؟.
** إن تمسكت الشعوب العربية بمخرجات الربيع العربي يمكننا القطع بذلك، أما إن غفلت وتناست الشعوب هذه المخرجات فيمكن أن يعود التوريث وتعود الدكتاتوريات ولو في لباس جديد، ولعل من أبرز مخرجات الربيع العربي ما يلي: كسر حاجز الخوف، الحرص على الكرامة الإنسانية قبل رغيف الخبز، الحرص المجتمعي على المشاركة السياسية وعدم ترك الأمر للنخب أو الأحزاب، الحريات الأساسية للإنسان، الوطن هو الأم الحنون لكل المواطنين ولا خصوصية فيه لأحد، والواجب على الجميع الحرص على البر وأخذ البنوة منه
* وحدة الصف الليبي خطر أحمر.. فكيف يمكن المحافظة عليها والابتعاد عن التفرق والتشرذم والتناحر؟
** الشعب الذي استطاع أن يقاوم التقسيم بهذه الشراسة وهذا التعاضد هو إن شاء الله شعب قادر بحول الله على أن يحافظ على وحدته الوطنية، أما في حالات النصر والزهو، قد تظهر بعض الأخلاقيات الطائشة، حتى من الصحابة؛ فنجد الصحابي الجليل عبادة بن الصامت يقول في سبب نزول سورة الأنفال: نزلت فينا أصحاب بدر حين ساءت في النفل أخلاقنا!
فمن المتوقع أن تبرز مثل هذه الأمور، لكن الشعب الليبي شعب في مجمله طيب ويحب بعضه، وما هي إلا فترة وينشغل الناس بالبناء، وتختفي هذه الأمور بحول الله. لكن دعني أقول إن القيادة السياسة ستلعب الدور الأبرز في هذه المسالة، وأن الأداء السياسي هو الذي سيحدد ما إذا كان سيكون هناك تناحر وتشرذم، أم سنحافظ على الوحدة الوطنية خطاً احمراً.
 * إعلام ما بعد التحرير.. برأيك ما هي أهدافه، وضوابطه، ومواصفات العاملين به؟.
** كنا نعاني في ليبيا من تركيز الولاء على الأشخاص، أي على رمز الظالم شخصيًا، وخلال مدة 40 سنة تشبع الناس بهذه الثقافة المريضة الممرضة، مسؤولية الإعلام اليوم هي ترسيخ ثقافة "الولاء للأفكار" بدلا من الولاء للأشخاص، وهذا يحتاج إلى جهد ضخم ليس بالهين، ويحتاج إلى إعلاميين يدركون هذا الهدف، ولهم رسالة واضحة، تسيطر عليهم في كل مخرجاتهم الإعلامية.
وبالرغم من أن هذا التحول الفكري والحضاري يبدو أمراً صعباً، إلا أننا متفائلون أن صناعة الوعي في دولة الحريات لا يقع على كاهل مؤسسه بعينها، بل هو تكاثف لجهود الدولة، سواء كان ذلك من خلال مؤسسات المجتمع المدني أو كيانات الدولة الأخرى.
لو نجح الإعلام في هذا الهدف، سوف يحقق الكثير من الأهداف الجزئية الهامة جدا؛ كمثل زيادة مستوى الوعي، التفكير الصحيح، الوطنية، التعاون، التخطيط، وغيرها من الأهداف والقيم الحضارية.
ولا أجد ضابطا في كل الإعلام والإعلاميين في مرحلة السنتين الأوليين، إلا الالتزام بهذا الهدف الكبير وتوابعه؛ لأننا فعلا مورس علينا كشعب سياسة تجهيل عميقة وممنهجة وفيها يبوسة وأمراض قلوب، الأمر الذي يجعل الإعلام من أهم الجوانب في بناء ليبيا الحديثة، ولا يخفى على أحد أن الإعلام الناجح يحتاج إلى مناخ من الحريات والمهنية والإبداع والتمويل والذوق الرفيع، كي يؤدي دوره بشكل مميز.
* بحكم خبرتك الطويلة.. ماذا يجب على الشباب الليبي في الغربة تجاه وطنه وماذا له من حقوق؟
** الحقيقة أننا نملك الكثير من الإمكانيات والقدرات الليبية في الخارج، وعلى كل من يقدر على الرجوع أن يرجع ويزاحم من أجل بناء ليبيا، وأكثر الأمور أولوية في نظري هو المساهمة من قبل الجميع في نشر الوعي لدى الناس، كل الناس، فالمجتمع الليبي في غالبيته غيب عن المشهد الحضاري العالمي.
وهناك الكثير من الأمور التي يحتاج للوعي بها، والتدرب عليها، وهذه المزاحمة التي ذكرتها لكم أعني بها المشاركة في وضع الحقوق والواجبات، وليس النظر إليها من الخارج وهي تصاغ بعيدًا عنهم، فالذي يهمه أمر الحقوق والواجبات لا يوجد الآن أي مانع من أن يشارك في وضعها وصياغتها.. واليوم يقدر الشباب الليبي أن يعملوا بجد في محور الوعي هذا ، من خلال كافة السبل الممكنة، لنشر الوعي الحضاري الذي يريده الجميع.
* السفارات الليبية بالخارج، كيف يمكن استثمارها لتحسين صورة ليبيا واحترام المواطن الليبي؟
** السفارات يمكنها أن تخدم ليبيا بشكل كبير، إن تغيرت غالبية الشخصيات اللاهية التي كانت تعمل فيها، فمعظم من يتولى أمور السفارات هم من أتباع النظام السابق، أو مرضي عنهم، وهؤلاء ليس لديهم ما يقدمونه، لأنهم خواء من أي شي يخدم ليبيا الجديدة، إن وجد في هذه السفارات شخصيات محترمة ولها لوعتها الوطنية، يمكن وقتها أن تكون صورة ليبيا في الخارج صورة مشرفة، من بعد أن كانت صورة إرهابية لسنوات طويلة، بل صورة لشخص النظام فقط.
* ما هي رؤيتك لإصلاح منظومة التعليم في دولة ليبيا الجديدة؟.
** التعليم في ليبيا شأنه شأن بقية المؤسسات، منظومة متأثرة جدًا بما عليه الحال في كل ليبيا، إذ يسود فيها الولاء لفكر القذافي، ويسود فيه من الفساد المالي والإداري الشيء الكثير.
من عادة الأمم- عند نهضتها من كبوتها- أن يكون من أوائل أمرها: مراجعة تربوية عميقة وصريحة وفاعلة، وهذا ما يحتاجه التعليم في ليبيا، بشرط أن يتولى ذلك أصحاب العقول النيرة والقلوب الحيّة، ولا يوكل الأمر لأناس يحتاجون إلى فهم العملية التربوية، بل وربما يكونوا في حاجة واضحة إلى بناء تربوي هم أنفسهم.
تقوم هذه المراجعات على كامل العملية التعليمية والتربوية، وتبدأ من اختيار وزير التعليم إلى المعلم والمدراء والإداريون، أو من يمكن أن نسميهم بقادة العملية التعليمية؛ فهؤلاء القادة للعمل التعليمي والتربوي تأثروا جدا ـ في الغالبية العظمى منهم ـ بمنهجية النظام في هدم التعليم وإقصاء التربية، سواء أكان هذا التأثر بإرادتهم أو بدونها.
ولذلك أصبحوا وللأسف غير صالحين لقيادة العملية التعليمية والتربوية وذلك لحجم الدمار الممنهج الذي تعرضوا له بسبب التجهيل الذي مورس عليهم على مدى 42 عاماً. لذلك على الشرفاء من هذه القيادات في ليبيا الجديدة أن يبدءوا جدياً ومن الآن في وضع خطط استراتيجيه لإنشاء جيل جديد يُبنى على أسس علمية و حديثة تراعى فيها عقيدة أهل البلد وثقافتهم وأعرافهم، ويستفاد فيها من التجارب الناجحة في الشرق والغرب، جيل قادر أن يلبي طموحات الشعب الليبي في بناء دوله حديثه قائمة على العلم والمعرفة.
وهذا بطبيعة الحال لن يتم بين ليلة وضحاها بل يتطلب سنين طويلة من العمل والجهد المتواصل، ويحتاج إلي تدرج في عمليه الإحلال هذه، وبتالي أصبح من الواجب النهوض بقدامى قادة العملية التربوية الشرفاء، والاهتمام بهم من أجل مواصلة المسيرة التعليمية، ولا يكون هذا الاهتمام بالمحاضرات والندوات والكتب، بل بالتدريب الشاق العميق، ومن لا يتفاعل بمخرجات تدريبية واضحة، يرتاح عن هذه المسؤولية الكبيرة. ولا أبالغ إن قلت لكم هذا الاهتمام يطال كل العاملين في التعليم، من فراش المدرسة وسلوكياته، إلى وزير التعليم ومسؤولياته.
* يقولون إن (ليبيا بلد المليون حافظ للقرآن).. نرجو إلقاء الضوء على هذا الملف؟
** لا أدري حقيقة مدى صحة هذه العبارة ودقتها، لكن الكثير يكررها، خاصة أيام النظام الظالم، لكن الليبيين بشكل عام أقبلوا بشكل كبير على الكتاتيب وحفظ القرآن، رجالا ونساء كبارا وصغارا، وتميزوا في المسابقات الدولية لحفظ القرآن الكريم، ويحبون القرآن حبًا جمًا، ولا يكاد يوجد حي صغير إلا وفيه "خلوة" لتحفيظ القرآن الكريم، وربما تجد في الحي الواحد أكثر من مركز تحفيظ. ومن جانب أخر فقد منع النظام السابق أغلب المناشط في المساجد إلا النزر اليسير، لكنه لم يمنع تحفيظ القرآن؛ فاقبل عليه الناس أفواجا، وضربوا في ذلك الرقم العالي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق