الثلاثاء، 29 نوفمبر، 2011

عن الثقافة والتلوث الثقافي
د. فوزية بريون
مقدمة لابد منها ...  نشرت قورينا في منتصف هذا الشهر مقالا بعنوان "مثقف خارج الحدود" رأيت أن أعقب عليه، فأرسلت للصحيفة بتعقيبي، لكن الصحيفة لم تنشره ولم تكلف نفسها الرد على ما جاء في رسالتي الألكترونية إليها.

أرسلت نفس المقال إلى جريدة أويا مع رسالة موجهة إلى رئيس تحريرها الأستاذ محمود البوسيفي، ولكن تجاوب الصحيفة ورئيس تحريرها لم يكن مختلفا على أختها التوأم.. إن إدراج هذه الحقيقة هنا ليس موجهاً للصحيفتين وإنما هو موجه بالدرجة الأولى إلى الكتاب والمثقفين الليبيين ليعرفوا أي نوع من العقليات يهيمن على مشهد الكتابة الليبية!
اطلعت قبل أيام على مقال الدكتورة فائزة البشا المنشور في صحيفة قورينا يوم 15/10 والمعنون بـ "مثقف خارج الحدود". وهو مقال تعرض لعدة جوانب من حياة الفرد والمجتمع في ليبيا والتي تتعلق كلها بالثقافة التي تملي عليهم ممارساتهم؛ إلا أن ما كان ينقص ذلك التناول الجيد والصريح هو الوقوف قليلاً عند مصطلح الثقافة وعدم الإكتفاء بسطرين من إعلان اليونسكو الصادر في المكسيك عام 1982. ذلك أن هذا الإعلان كان في حقيقته استدراكاً على إعلانات أخرى كانت المنظمة وخبراؤها قد نحوا فيها إلى اعتبار التقدم الإقتصادي معياراً للتنمية دون صرف كبير اعتبار للجانب الثقافي، فجاء إعلان 82 بعد مداولات مطولة ليؤكد على أهمية ثقافات الشعوب وتأثيرها الكبير في درجة ونوع التنمية الحقيقية.
والثقافة في الحقيقة ليست مجرد "سلوك حضاري يكتسبه الإنسان" كما جاء في المقال، ذلك أن حالات الفصام، والإنسلاخ عن الواقع، وعدم احترام القوانين، والإثراء غير المشروع، والإدارة السيئة، وما يرافق ذلك من سلوكيات سلبية في المظهر والمخبر، وفي النوايا والسلوك مما عرضت له الكاتبة ليست جميعها سوى مظاهر مرضية أصابت أنساق ثقافتنا؛ ونقصد هنا الثقافة بمعناها السسيولوجي والأنثربولوجي. وقد كان أول من عرّف الثقافة وصاغ مفهومها هوالعالم الإنجليزي إدوارد تايلر في كتابيه "أبحاث في التاريخ القديم وتطور البشرية" و"الثقافة البدائية"، حيث نصّ على أن الثقافة هي "ذلك الكل المركب الذي يشمل المعتقدات والمعلومات والفن والأخلاق والعرف والتقاليد والعادات وجميع القدرات الأخرى التي يكتسبها الإنسان باعتباره عضواً في المجتمع."
وهذا يؤكد أن الثقافة أكبر من الأفراد، وأنها من نتاج الإجتماع البشري، وأن الإنسان يمتصها من بيئته ويكتسبها أثناء تنشئته، وهي التي تسيّره وتحدد نمط تفكيره وتوجه سلوكه وتخلق منظومة قيمه، بدون اختيار منه أو إقرار، يستوي في ذلك المتعلم والأمي.
وقد اهتم بهذه الظاهرة من مفكرينا البارزين مالك بن نبي صاحب المشروع الحضاري المعروف، الذي أصدر كتاباً مستقلاً عن الموضوع أعطاه عنوان "مشكلة الثقافة"، وذلك ضمن سلسلة كتبه المعنونة بـ "مشكلات الحضارة"، حيث نصّ في بدايات مشروعه الضخم على أن "مشكلة أي شعب إنما هي في جوهرها مشكلة حضارة". وقد صاغ بن نبي عدة تعريفات للثقافة، نذكر منها أنها "بيئة مكونة من الألوان والأصوات والأشكال والحركات والأشياء المأنوسة والمناظر والصور المنبثة في كل اتجاه. فهي بيئة تمارس مفعولها على العالم والراعي على حد سواء، وهي الوسط الذي يتشكل بداخلها كيانه العضوي داخل المجال الحيوي الذي ينتظمه." مؤكداً على أننا "لا نتلقى الثقافة وإنما نتنفسها ونتمثلها بالطريقة نفسها التي يتم بمقتضاها تنفسنا وتمثلنا لأوكسجين الهواء".
ويؤكد بن نبي في معرض كلامه عن مكونات الثقافة، النفسية والإجتماعية، بأن الثقافة في جوهرها إنما هي نظرية في التربية وليست نظرية في التعليم. ولا تغيب علينا هنا الفروقات الخفية بين الحقلين؛ ففي حين تهتم التربية بتزكية وتنمية النفس والعقل والوجدان وبجانب القيم والسلوك والمعاملات، يهتم التعليم بحقائق الحياة والوجود وبالتراكم العلمي ومعطيات الواقع، فهو يخاطب العقل ويغذيه.
ولأن الثقافة رافد أساسي في أبجديات التربية فإن بن نبي ينبه إلى حقيقة أخرى مهمة وهي أن فاعلية الفرد والمجتمع إنما تستمد من ثقافتهما ومن درجة التخلف أو التحضر التي وصل إليها المجتمع. ويضرب لذلك مثلاً بطالبي طب في إحدى العواصم الأوروبية أحدهما مسلم والآخر إنجليزي مثلاً، يحصلان على نفس المؤهل العلمي، وقد يكون المسلم أكثر تفوقا إذا ما كان أكثر ذكاء واجتهاداً، لكنه حتماً لا يمتلك نفس الفاعلية التي تميز زميله الإنجليزي من حيث موقفه من مشكلاته ومن قضايا مجتمعه.
الثقافة إذاً جو معنوي مشبع يتنفس فيه الأفراد، أو كما قال الدكتور حسين مؤنس "إن ثقافة الشعب هي دم وجوده"، فهي التي تعطي كل جماعة ما يميزها عن غيرها حيث تجمع في تفاصيلها الدقيقة بين العالم والراعي في المجتمع الواحد.
إذا انتقلنا من هذه المفاهيم المنهجية لمناقشة التلوث الثقافي الذي أصاب الثقافة الليبية في العقود الأخيرة، وجدنا أنه من الضروري تسليط الضؤ على الأسباب والعوامل التي أثرت في منظومتنا الثقافية ونسقنا القيمي بحيث تحوّل مجتمع بكامله – أو في غالبيته على أدنى تقدير – من جماعة تحترم القانون وتطبقه – حتى وإن اعترفنا بتجاوزات هنا وهناك بفعل النظام القبلي – وتمارس التكافل الإجتماعي، وترعى الأعراف، وتهتم بمظهر الأفراد ومخبرهم، وتحرص على نظافة الشوارع، وتقدّر العلم وتثمنه، وتوقر العالم والكبير والمرأة، وتحفظ حق القريب والجار والغريب، إلى جماعة اهتزت فيها هذه القيم وانقلبت حتى صار المحافظ عليها – إن وجد – وكأنه يعيش خارج دورة الزمان والمكان أو يغرّد خارج السرب!
هذه هي نقطة الإنطلاق لعلماء الإجتماع والأنثربولوجيا الليبيين، ولكل مهتم بقضية تقدم المجتمع وإصلاح ما حل به من أزمات ونكسات. فتشخيص الأدواء أولى من إبراز الأعراض، على أهمية ذلك في لفت الإنتباه إلى التدهور الذي أصاب المجتمع، ومع ذلك فلابد أن نكون منهجيين وأن نقبل على دراسة الأوضاع وتبيّن الأسباب التي أدت بنا إلى مانحن فيه بدل الإكتفاء بعرض النتائج.
إن ما نلمسه من مظاهر الثلوث الثقافي، والإنحدار الأخلاقي، والتسيّب اإداري، وغياب الضمير في مسائل المال والتعليم والأداء الوظيفي، والتلاعب على القانون، بل وضعف آليات التقنين ومتابعة تطبيقه، كل هذا إنما هو في حقيقته أعراض ومظاهر ابتليت بها ثقافتنا ويمارسها الأفراد بين ظهرانينا بنسب متفاوتة، ولكن يخفى على كثير منا أسبابها الحقيقية والأحداث التي أدت إلى تشكّلها، وهي وإن كان يتردد صداها في خواطرنا وتلمسها أحياناً عقولنا، إلا أنه من العبث ألا نسلط عليها ضوء الدراسات الموضوعية الجريئة في أسلوب علمي وإطار منهجي يظهرها إلى نور الوعي الجماعي، بحيث نخرج بها من إطار الحسرة والتوجع إلى مجال التشخيص والعلاج. ولن يتأتى هذا إلا عندما تبادر القلة التي تمكنت من تحقيق درجة من المعرفة المعمقة والإستقلال الفكري والضمير اليقظ على المستوى الفردي، إلى إنشاء مؤسسات أهلية تنهض بإجراء مثل تلك الدراسات وتتجاوزها إلى اقتراح الحلول، وذلك من أجل إحداث التفاعل مع الأغلبية القابلة للإستجابة. عندها فقط يمكننا أن نؤثر ونسهم في تغيير مجتمعنا عن طريق المنظومة الثقافية نفسها، وذلك بإحياء عناصرها الإيجابية وغربلتها مما تلوثت به على مدى الحقب الماضية.. وبهذا يمكننا أن نكون مؤثرين في العمق وليس فقط بطريقة سطحية تعتمد القول دون الفعل. والأمل كبير في طاقات شعبنا التي آن لها أن تنطلق.
والله المستعان.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق