الأربعاء، 9 نوفمبر، 2011

قائد الحرس الشعبي يكشف تفاصيل الساعات الأخيرة للعقيد القذافى
جريدة الاهرام
القذافى كان يعكف على القراءة وتعرض للخيانة من قائد الكتائب .. وكان يريد الذهاب لقريته ليموت هناك

كشف منصور ضو آمر الحرس الشعبى الخاص بالعقيد معمر القذافى النقاب عن تفاصيل الساعات الأخيرة فى حياة العقيد والتى سبقت مقتله على أيدى الثوار بمسقط رأسه مدينة سرت الساحلية فى العشرين من أكتوبر الماضى.
فمن خلال مقابلة أجرتها معه شبكة “سى إن إن” الامريكية – قبل أن يتم استجوابه من قبل أحد المحققين الليبيين فى مصراته بحضور ممثلى الشبكة – أوضح ضو، الذى ظل مواليا للقذافى حتى مقتله، ويعرف الكثير والكثير من أسراره، كيف تحول القذافى من “ملك ملوك إفريقيا” إلى هارب يبحث عن الطعام ويختبىء فى المنازل المهجورة بسرت.
وأشار ضو – الذى كان يستقل نفس السيارة التى كان يستقلها القذافى فى رحلته الأخيرة – إلى أن القذافى كان يبدو خلال آخر ساعاته شديد القلق وتحول إلى “شخص غريب الأطوار”، مرجعا ذلك إلى حالة الخوف التى كان يعانيها.
وأضاف أن القذافى كان فى هذه اللحظات يائسا من إتمام الرحلة التى كان يتجه فيها إلى قرية الجارف التى شهدت مولده، وتقع على بعد 20 كيلومترا غربي سرت، حيث أشار ضو إلى أن الإقدام على هذه الرحلة كان فى نظره هو شخصيا ضربا من ضروب الانتحار.
ورجح ضو أن القذافى كان يود الذهاب إلى قريته لأنه كان يريد أن يموت فيها أو يقضى أيامه الأخيرة هناك، موضحا أنه بعد أن تعرضت القافلة التى خرجوا فيها إلى قصف جوى من قبل حلف شمال الأطلسى (ناتو) حاول القذافى الفرار بحياته سيرا على الأقدام، وهرول إلى أن تمكن من الاختباء بإحدى أنابيب الصرف الصحى، إلا أن محاولته للفرار باءت بالفشل، وتم العثور عليه وقتله.
وأشار إلى أن القذافى كان يعتقد أنه سيعود إلى حكم ليبيا من جديد، حيث كان يحبط باستمرار محاولات دائرة المقربين منه منذ مارس الماضى لإقناعه بمغادرة البلاد لصون كرامته وحفظ ماء وجهه، وهي الفكرة التى رفضها أبناؤه وعلى رأسهم سيف الإسلام الذى كان يقول “ليس من السهل على من حكم البلاد على مدى 42 عاما أن يترك ذلك فى دقائق.”
كما كشف ضو النقاب عن أن القذافي غادر مقره فى العاصمة الليبية طرابلس واتجه إلى مدينة سرت فى الثامن عشر من أغسطس الماضى، أى قبل أن ينجح الثوار فى التوغل إلى العاصمة بنحو ثلاثة أيام.
أما عنه شخصيا، فقد ظل ضو فى طرابلس إلى أن جاءت اللحظة التى تأكد فيها أنها لم تعد آمنة بالنسبة له، ثم فر فى الثانى والعشرين من أغسطس إلى مدينة بنى وليد ليلتحق بسيف الإسلام نجل القذافى ورئيس مخابرات عبد الله السنوسى اللذين كانا يحتميان بالمدينة آنذاك، وأقام معهما أربعة أيام قبل أن ينتقل لمرافقة القذافى فى سرت.
وأوضح أن ظروف معيشتهم كانت تسوء يوما بعد يوم، لاسيما بعد أن واصل الثوار تضييق الخناق عليهم من خلال محاصرة سرت، وبات لزاما عليهم الانتقال كل ثلاثة أو أربعة أيام من منزل مهجور إلى آخر، يقتاتون بما قد يعثرون عليه من طعام، إلى أن وصلوا فى النهاية إلى مرحلة خارت فيها قواهم ولم يجدوا طعاما ولا ماء وفقدوا وسائل الاتصال بالعالم الخارجى.
ومع ذلك، قضى القذافى – بحسب ضو – أيامه الأخيرة يترقب ويعكف على قراءة ما تمكن من اصطحابه من كتب، إلا أن سلوكه بات أكثر غرابة ولم يكن من الممكن توقعه، إلى أن وصل مرافقوه إلى مرحلة أرادوا فيها مغادرة سرت فى ظل تضييق الحصار أكثر وأكثر، فى حين تقلص عددهم من نحو 350 شخصا إلى أقل من 200 فقط بعد أن سقط منهم عدد من القتلى وانشق عدد آخر.
لكن مع رغبة الجميع مغادرة المدينة لإدراكهم أنهم لن يستطيعوا الفرار بحياتهم، أبى القذافى إلا أن يظلوا فيها حتى حانت اللحظة التى قرر فيها العقيد ونجله المعتصم مغادرة سرت إلى قرية “الجارف” يوم العشرين من أكتوبر.
وعن الأيام التى سبقت اندلاع الثورة الليبية، أوضح ضو أن مسئولى ليبيا كانوا يشعرون بقلق شديد بعد اندلاع الثورات الشعبية فى شهر يناير الماضى والإطاحة بالرئيس التونسى زين العابدين بن على وتأجج الثورة المطالبة برحيل الرئيس حسنى مبارك فى مصر، وكانت تتزايد المخاوف من انتقال هذه الموجة إلى ليبيا.
ومع شعوره بالقلق بعد الإطاحة ببن على، هرع القذافى إلى الاتصال بأصدقائه، إلا أنهم انصرفوا عنه ولم يقفوا بجانبه، وأحس بأنه تعرض للخديعة ممن اعتبرهم حلفاءه، أمثال رئيس الوزراء الإيطالى سيلفيو بيرلسكونى ورئيس الوزراء البريطانى الأسبق تونى بلير والرئيس الفرنسى نيكولا ساركوزى ورئيس الوزراء التركى رجب طيب أردوغان.
ومع ذلك، أتت الخديعة الكبرى – كما يصفها ضو – من الداخل، حيث تمكن الثوار من التوغل إلى العاصمة طرابلس بالرغم من الخطة الدفاعية التى كانت موضوعة لتأمينها وصدهم عن الوصول إليها بعد أن جاءت الخيانة من بين صفوف من أوكلت لهم هذه المهمة.
ففى الليلة التى توغل فيها الثوار إلى العاصمة الليبية، لم يكن فى مواجهتهم سوى أقل من 200 كتيبة فقط من أصل 3800 كتيبة كانت معدة لتأمين مداخل المدينة، حيث كانت هذه الخديعة تتمثل فى القائد العام لهذه الكتائب، فقد خلت الدبابات والمركبات العسكرية من الجنود، وخلت منهم أيضا أبراج المراقبة وتم سحب جميع قوات الأمن من الشوارع.
أما عن سيف الإسلام وعبد الله السنوسى، فقد نفى ضو أى علم له بمكانهما، إلا أنه رجح ألا يكونا غادرا ليبيا لاعتقاده أنهما غير مرحب بهما فى أى دولة ، ومرجحا أيضا أن سيف الإسلام لن يوفى بالعهد الذى قطعه على نفسه بمواصلة القتال ضد من أطاحوا بوالده.
ويرى ضو أن مقتل القذافى من شأنه القضاء على إمكانية ظهور أية جيوب للتمرد من قبل الموالين له، موضحا ذلك بقوله “إن النظام فقد ما قد يمكن أن يكون تبقى له من قوة بمقتل القذافى”، وأن ما سيكتبه عنه التاريخ سيوضحه المؤرخون فيما بعد، إلا أن “الأقوى هو من يتحكم فى كتابة التاريخ”.
وأضاف ضو أن الثورة التى قامت بليبيا كانت تعبيرا عن إرادة الشعب، ولهذا انتصرت فى النهاية إلا أنه نصح أبناء الشعب الليبى بالمحافظة عليها وعلى وحدة ليبيا.
كما نفى ضو خلال المقابلة ما يوجه إليه من اتهامات فى الوقت الراهن – والتى يخضع حاليا للاحتجاز داخل أحد مراكز الاعتقال بمدينة مصراته انتظارا لمحاكمته على ضوئها – تتعلق بدوره فيما يعرف بمذبحة سجن “أبو سليم” عام 1996 بالإضافة إلى دوره فى استئجار المرتزقة الذين كان يستخدمهم نظام القذافى لقمع الثوار.
وبسؤاله فى النهاية عما إذا كان نادما على كونه جزءا من النظام الليبى تحت قيادة معمر القذافى قال “أحيانا أشعر بالندم على كل شىء .. أندم حتى على كونى حيا .. بالطبع يشعر المرء بالندم فى وقت ما من حياته .. ولكن للأسف أحيانا تندم فى وقت لا ينفع فيه الندم.”

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق