الجمعة، 14 أكتوبر، 2011

حتى لا يختلط الحابل بالنابل

أولا: المتوازنات والمتوازيات بعد تحرير طرابلس
بقلم عدنان فرج جبريل
مع بداية الشهر السابع من عمر ثورة 17 فبراير تحررت طرابلس في ملحمة وطنية خالدة من البطولة والفداء... كانت عملية فجر (عروس البحر) هي الملحمة التي توجت إنتفاضة سكان هذه المدينة التي بدأت في العشرين من فبراير 2011 وتوجت معها إنتصارات الليبيين على نظام الظلم والعسف والقهر بعد 42 عاماً من المعاناة المستمرة والتضحيات المتواصلة...

فعلى مدى ستة أشهر كاملة قاتل الثوار الليبيون جنود الطاغية في كافة الجبهات... حرروا مناطق ومدن بأسرها وقدموا مواكب من الشهداء وسيل من الدماء الغالية والزكية، كان إصرارهم العنيد على مواصلة القتال إسطورياً لدرجة أدهشت العالم بأسره وجعلته يقف مشدوهاً أمام هذا الشعب المعجزة الذي ظلت عيون أبناءه الملآى بالدموع معلقة على طرابلس وأهلها وظلت قلوبهم وعقولهم ساكنة فيها وبين جنباتها. وبرغم الإخقاقات والإنتكاسات والتناقضات الكثيرة لم تنحن الجباه المتفصدة عرقاً لغير الله، وظلت ألسنتهم تصدح بذكر (الله أكبر) ورددت شفاههم بإبتسامات وديعة وواثقة أمام سمع ومرأى العالم بأسره (جايينك في باب العزيزية)... وفي العشرين من أغسطس كان العالم على موعد مع الجولة الأخيرة من إنتفاضة عروس البحر، وخلال يومين إلتحم الثوار من كافة المناطق للوفاء بوعدهم وخوض معركة باب العزيزية ليدكوا حصن الطاغية المنيع ورمز قوته ومنعته وسلطانه.
واليوم صار من حق الليبيين ومن واجبهم أيضاً المشاركة في صنع مستقبلهم الذي يبدأ بتكريس جهود الجميع للوفاء بالوعود التي قطعناها على أنفسنا... ولعل أهمها ذلك الوعد الذي رددناه جميعاً منذ اليوم الأول من عمر هذه الثورة المباركة (دم الشهداء ما يمشيش هباء) وهو ما يعني أننا أمام تحديات كبرى تتطلب العمل على ترتيب أولويات هذه المرحلة المفصلية من تاريخ ليبيا وصناعة مستقبلها بعد أن فر الطاغية وإبناءه - وبغض النظر عن متى وكيف وأين سيتم القبض عليهم...
التحدي الأول: فر الطاغية وأبناؤه قبل أن نعرف مصير آلاف المفقودين من الأسرى والمختطفين الذين لا تزال ظروف إعتقالهم وأماكن سجنهم وإختفاءهم مجهولة حتى الآن... وهو ما يتطلب البدء الفوري في تأسيس وتنظيم حملة وطنية مكثفة للبحث والتفتيش والتقصي. إننا في سباق حقيقي مع الزمن وفي مثل هذه الحالة فإن الوقت سيكون أحد من السيف إن لم نقطعه سيقطع أوصال أحبتنا وفلذات أكبادنا وعندها – لا قدر الله - ستنفطر قلوبنا من هول الفاجعة.
التحدي الثاني: فر الطاغية وأبناؤه ليختطفوا ويرهنوا مدناً ومناطق بأسرها لايزال سكانها محاصرين ومهددين بالموت والتجويع من قبل فلول كتائب النظام ومرتزقته وعملائه... وهو ما يتطلب إستكمال معارك التحرير لتلك المدن والمناطق العزيزة من ليبيا لتكتمل فرحة النصر والحرية. وعلينا أن نتذكر بأن أهلنا في تلك المدن والمناطق ليسوا إستثناءً عن بقية أرجاء ليبيا فهم قادرون على الإنتفاضة وتحرير أنفسهم فكل ما يحتاجونه هو قليل من الدعم والمساندة.
التحدي الثالث: فر الطاغية وأبناؤه وطرابلس لاتزال غير مؤمنة رغم مظاهر الفرح العارم بتحريرها ورغم الأصوات التي بدأت تعلو مطالبة بأن يغادرها ثوار المدن والمناطق الأخرى... وهو ما يتطلب القول بصوت أعلى إن تأمين طرابلس هو الأساس لتأمين مسارات الثورة، وأن الثوار محل ترحيب كبير من سكان هذه المدينة التي تاسس فيها طابور خامس طويل يتربص بها لزعزعة أمنها ولدينا دروس مستفادة كثيرة.
التحدي الرابع: فر الطاغية وأبناؤه ليتركوا لنا أجواءً ملبدة بغيوم التوتر والعداء وحروب الكلام وتبادل الإتهامات والتهديد مع جيراننا من الأخوة والأشقاء... وهو ما يتطلب الإسراع في تنقية تلك الأجواء ومد جسور التعاون والثقة وحسن الجوار، وبقليل من الحكمة وشجاعة الفكر والقلب والضمير سنستطيع تجنيب بلادنا الوقوع في شراك الأعداء والدخول في معارك لا ناقة لليبيين فيها ولا جمل، معارك ليس لها أي مبرر سوى أنها تصب في مصلحة الغير.
التحدي الخامس: فر الطاغية وأبناؤه وقد كبلنا أنفسنا في دائرة من خلافات العقائد السياسية التي ظهرت وطفحت على بعض واجهات الثورة ولم يعد بالمقدور إخفاؤها أو السكوت عنها... وهو ما يتطلب تأجيل الخلاف بدلاً من محاولة كل فريق القفز مبكراً بأجندته السياسية لفرضها على الأخرين، فاصابع الثوار على الزناد في الجبهات وجراحهم النازفة تستحق منا الإحترام والإيثار، وسيكون لكل منا متسع من الوقت لطرح أجندته ليقول الليبيون كلمة الفصل فيها عبر صناديق الإقتراع.
التحدي السادس: فر الطاغية وأبناؤه دون أن يتفطن البعض إلى أن الليبيين لم يعودوا في حاجة لوصاية من أحد حتى ولو كان الوصي هو منظمات الأمم المتحدة... وهوما يتطلب الإعداد والتحضير لمؤتمرات مهنية وطنية يشارك فيها خبراءنا في داخل حدود الوطن وخارجه لرسم خارطة طريق لتفعيل مختلف الأنشطة الإقتصادية والخدمية وحتى الأمنية والعسكرية لصياغة رؤى المستقبل وأولويات خطط وبرامج العمل خلال المرحلة الإنتقالية.
التحدي السابع: فر الطاغية وأبناؤه وكثيرون منا يتوجسون أن الشباب الذي صنع الثورة والتغيير وضحى بأرواحه ودمائه سيظل في عيون البعض مجرد شباب غير مسئول... وهو ما يتطلب تغيير هذه الفكرة وإقحامهم بقوة في دائرة صنع القرار وإدارة مستقبلهم السياسي وليس العكس، فبتحليل إحصائي بسيط لمعرفة عدد الوزراء الذين تقل أعمارهم عن سن الأربعين في الدول المتقدمة سندرك حتماً كم أخطأنا نحن الكبار في حق هؤلاء الشباب... فكم عدد الشباب من أعضاء المجلس الإنتقالي أو المكتب التنفيذي؟.
التحدي الثامن: فر الطاغية وأبناؤه ولم ندرك بأن الفرص إن لم تعطى فستنتزع وبأن من يبذل الغالي والنفيس لأجل حريته وكرامته هو من يملك الحق في صياغة وبناء مستقبله... وهو ما يتطلب التخفيف من وطأة المركزية والعمل على تكريس مبدأ المشاركة الشعبية، فهذه الثورة أثبتت بأننا نمتلك من الوعي والإرادة ما يكفي لتأسيس مجالس إستشارية لكل المدن تقوم على وضع الخطط وتحديد أولوياتها ومتطلباتها التنموية بحسب ظروفها وخصائصها الثقافية والإجتماعية.
التحدي التاسع: فر الطاغية وأبناؤه والحديث عن إعادة الإعمار بات صداه طاغياً على كل الأحاديث التي تدور في غرف الإجتماعات – أو في المرابيع - وأمام العدسات وخلفها... وهو ما يتطلب العمل على حل المشاكل الكبيرة العالقة التي ستواجه إعادة الإعمار والتي من بينها عقبات المخططات العمرانية وقضايا ملكية الأراضي والعقارات ورد مظالمها والتعويض عنها، فلا ندخل في متاهات تؤدي بنا إلى ذات النتيجة التي إنتهت إليها بيروسترويكا غورباتشوف وما برنامج إعادة إعمار العراق ببعيد.
التحدي العاشر: فر الطاغية وأبناؤه ومنا من يتمنى أن يكون له دور ومكان في الحكومة الإنتقالية القادمة وقد حظى بفرصة أو أكثر في الحكومات السابقة ولم يقدم شيئ... وهو ما يتطلب أن يؤخذ بعين الإعتبار بأن هذه الحكومة ستكون مختلفة عن سابقاتها خلال العقود الأربعة الماضية فقريباً ستكون هذه الحكومة تحت طائلة القانون ومحل مسائلة حقيقية وجادة عما قدمت وعن كل قرش فيما أنفقته وكيف أنفقته وعن كل مواطن ماذا وفرت له وماذا أعطت؟...
التحدي الحادي عشر: فر الطاغية وأبناؤه وبقي لنا السلاح المنتشر في كل بيت – وزنقة – وشارع، يحمله العقلاء ومن هم دون ذلك على حد سواء... وهو ما يتطلب النظر إلى هذه المسألة على كونها من قضايا الأمن القومي قبل أن تتحول أحدى مدننا أو قرانا الوادعة إلى (بيشاور) جديدة، فالأمر يستدعي تنفيذ خطة محكمة لحصر وتجميع السلاح تدعمها قوانين صارمة تجرم إقتناءه وحمله وإستخدامه والمتاجرة فيه دون ترخيص وتوقع اقصي العقوبات بالمخالفين.
التحدي الثاني عشر: فر الطاغية وأبناؤه وظل لنا حلم قيام دولة المؤسسات والقانون التي تسود فيها قيم الحرية والكرامة والعدل والمساوة كأهداف عليا لثورة 17 فبراير... وهو ما يتطلب في الأساس تربية النشء على أن مفاهيم الوطنية والديمقراطية تقوم على معاني الحب والخير والجمال والبذل والعطاء ونبذ ثقافة العنف وقبول الأخر والتعايش معه وعدم تجريمه لمجرد إختلاف الرأي، بل التعاون معه طالما كان ذلك في خدمة المصالح الوطنية العليا.
وبعد... فقد رأيت أنه من واجبي التنويه إلى بعض القضايا الجوهرية التي ينبغي التفطن إليها في هذه المرحلة الهامة والحرجة من مسار ثورة 17 فبراير، وهو تنويه لا يسعى إلى محاولة عبور الجسر قبل الوصول إليه، فنحن فوق الجسر فعلاً وقد وصلنا إلى منتصفه تقريباً وصار من الضروري والمهم أن نتحسس مواضع أقدامنا قبل كل خطوة نخطوها كي نضمن مواصلة المسير بخطى متزنة دون أن ينهار الجسر بنا جميعاً في هوة الوادي السحيق ويختلط الحابل بالنابل.
قد يختلف معي البعض في تقييم التحديات التي ذكرتها آنفا فأراها قائمة ومباشرة بينما يرونها محتملة أو غير مباشرة. لكن مسار الثورة بات أكثر من أي وقت مضى يحتم مراعاة المتوازنات والمتوازيات لمعرفة ما هو سلبي وما هو إيجابي، فآن ذاك لا قبله سنستطيع صياغة دستور يفصل بين السلطات ويكفل كافة حقوق الأنسان بدءاً من التعبير والمشاركة السياسية ومروراً بحقوق المرأة والطفل ونهاية بحقوق العمل والتعليم وتكافوء الفرص... وعندها فقط نستطيع القول بأننا قد عبرنا الجسر بأمان وبأن عهد الطاغية وأبناءه قد ولى وإلى غير رجعة.
إن المحافظة على الإستقلال أصعب من نيله... كلمات قالها حكيم الأمة ((إدريس السنوسي)) رحمه الله، ورددها الليبيون في وجدانهم وضمائرهم عقود طويلة بعد رحيله، وإذا جاز لي الإقتباس فإنه يمكنني القول بأن الحفاظ على النصر أصعب من تحقيقه.
ثانيا: أحاديث في التخوفات والتحوطات
المنطلق الأول: الحديث عن وجود إجماع حول شخص أو فكرة أو مبدأ سيظل حديثاً مبهماً وغامضاً طالما لم تدعمه إحصائيات للأصوات تؤكده وتثبته، أو – وذلك أضعف الايمان – من خلال إستطلاعات محايدة ترصد إتجاهات الرأي العام وتفاعلاتها المختلفة... من دون ذلك يتحول الاجماع الى مجرد كلمة تائهة لاعلاقة لها بالواقع السياسي المعاش. وبمرور الوقت تتحول هذه الكلمة التائهة بالذات إلى مصدر حقيقي للخطر يتهدد حياة الناس وأمنهم وإستقرارهم... مصدر التخوف والتحوط من إستخدام هذه الكلمة - دون وجود إجماع فعلي - هو أنها تختزل إرادة الأخرين وتصادر حرياتهم، وإذا ظن أحد ما بأنه قادر على تطويعها وتوظيفها كأداة لتمرير أجندته ونجح في ذلك دون أن يكون هنالك أساس علمي صحيح للحكم والقياس والاستدلال، فمعنى ذلك أننا لا نزال نعيش في حالة من الغيبوبة السياسية التي يتعاطي فيها الناس مع الأحجية والطلاسم...
المنطلق الثاني: الحديث عن وجود أجندات خفية سيتم فرضها لصالح دول بعينها كجزء من سداد فاتورة الدعم التي قدمت لليبيين خلال معارك التحرير، هو من الأمور التي ستبقى في اطار النظريات والفرضيات بالنسبة لأي سياسي محترف طالما ظلت خفية ولا يستطيع إثباتها بأدلة حسية ملموسة، لكن أي سياسي نزيه – محترف أو هاو– يستطيع أن يجري مقارنة بسيطة حول أوجه الشبه والاختلاف بين ليبيا بعيد الإستقلال عام 1951 وبين ليبيا قبيل استكمال التحرير عام 2011... في الحالتين كان هناك دعم خارجي، وفي الحالتين كان هناك أجندات خارجية مزعومة... مصدر التخوف والتحوط يأتي من الكيفية التي سيتم بها ادارة وتنسيق الجهد الوطني بعد استكمال التحرير، في الحالة الاولى كانت ليبيا فقيرة وضعيفة وشبه أمية، ليس لها موارد دخل، ولا مقاتلين مدربين ولا أسلحة تكفي لتأسيس جيش وطني قوي، لم يكن لديها مئات السياسيين المحترفين، ولا الآف المثقفين، ولا عشرات الالآف من الخبراء وحملة المؤهلات العلمية العليا في مختلف التخصصات، ولا أيضاً مئات الالآف من الموظفين في مختلف المجالات... أن السياسي النزيه والمنصف للتاريخ وللرجال يدرك وبكل وعي وطني أن ليبيا قبل انقلاب سبتمبر المشؤوم عام 1969 قد استطاعت أن تنأى بنفسها عن الخضوع لأية أجندات خارجية من خلال نجاحها في إدارة وتنسيق الجهد الوطني. نتيجة المقارنة مشجعة جداً ، في الحالة الأولى لم يكن لدينا شيئ سوى عزيمة الرجال وإخلاصهم المنقطع النظير لوطنهم ، أما في الحالة الثانية فلدينا كل شيئ ولدينا من عزيمة الرجال وإخلاصهم ما يعجز عنه الوصف والتعبير...
المنطلق الثالث: الحديث عن وجود احتمالات لسرقة ثورة 17 فبراير والخشية من عودة الديكتاتورية في ثوب دستوري فضفاض، هو من قبيل ترديد نفس الشعارات القديمة التي كان القذافي يصدح بها في خطاباته عن محاولات سرقة سلطة الشعب، وعودة الرجعية والاستعمار والامبريالية، إلى اخر القائمة الطويلة من مفردات قاموس لغته السياسية... مصدر التخوف والتحوط هو استمرارنا في ترديد مثل هذه الشعارات التي تعكس اصرارنا الدفين على التمسك بثقافة التخلف التي سادت البلاد خلال 42 عاماً من حكم الظلم والاستبداد... ليس فقط لكونها ثقافة تترجم واقعاً من جمود وركود الفكر السياسي الذي يعجز حتى عن صياغة رؤى للمستقبل وتحديد ما هية آليات تنفيذها وتحقيق أهدافها، بل لأنها أيضاً وفي نفس الوقت ثقافة تستهين بدماء الشهداء والجرحى ، وتتجاهل التضحيات الجسام التي قدمها الليبيون، وتستخف بقدرتهم على اثبات وجودهم ومدى جاهزيتهم على تقديم المزيد من الدماء والتضحيات متى دعت الضرورة لذلك...
وبعد... فتلكم هي بعض التخوفات والتحوطات التي إعتقدت بأنها منطلقات لأحاديث يمكن أن تفضي بنا إلى نتائج تساعدنا على تجاوز حالة الجدل واللغط التي تجاوزت أصداءها كل منتديات السياسة والفكر والثقافة لتصل إلى عامة الناس. الملفت للنظر في هذه الأحديث هو أن لها قدرة فائقة على إستقطاب اهتمام الجميع وتقسيمهم إلى فريقين – فريق يبرر وفريق يمرر – لكن خطورتها لا تكمن فقط في قدرتها على تشكيكنا في نوايا الأخرين وزيادة ريبتنا فيهم... خطورة هذه الأحاديث أنها تسلب إرادتنا وتفقدنا الثقة في أنفسنا وتخلط الحابل بالنابل.
واليوم... حيث لم يعد يفصلنا عن إعلان التحرير سوى ايام قليلة، جال في خاطري طيف حكيم الأمة ((ادريس السنوسي)) رحمه الله وهو يختم كلمته التي وجهها إلى الليبين معلناً إستقلال ليبيا قائلا لهم ((علينا جميعاً أنّ نحتفظ بما قد اكتسبناه بثمن غال، وأنّ ننقله بكلّ حرص وأمانة إلى أجيالنا القادمة، وإننا في هذه الساعة المباركة نذكر أبطالنا ونستمطر شآبيب الرحمة والرضوان على أرواح شهدائنا الأبرار ونحيي العلم المقدس رمز الجهاد والإتحاد وتراث الأجداد، راجين أنّ يكون العهد الجديد الذي يبدأ اليوم عهد خير وسلام للبلاد، ونطلب من الله أنّ يعيننا على ذلك ويمنحنا التوفيق والسداد إنّه خير معين)). 
ثالثا: التشكيل الحكومي بين مطرقة التأخير وسندان التحرير
مضي شهر على تحرير العاصمة، ونحن في إنتظار الإعلان عن إعادة تشكيل المكتب التنفيذي المقال منذ شهرين تقريباً... فلماذا كل هذا التأخير الذي بدأت أثاره السلبية تعكر صفو الحياة السياسية في بلادنا لتضعها في مفترق صعب وهي لاتزال في بدايات تأسيسها وتشكيل هويتها وملامحها المستقبلية...؟.
من الواضح أن هذا التأخير قد فتح باب الإجتهاد السياسي على مصراعيه أمام كل من يرغب من المنتقدين والمغرضين – على حد سواء - ليقدم نصحه وإرشاده حول المصلحة الوطنية والثوابت الوطنية وحول معايير الإرضاء وضوابط الإقصاء وحول الخطوط الحمراء والمساحات الخضراء التي يمكن أن تؤطر لإعادة تشكيل المكتب التنفيذي وإختيار أعضائه، وهو أمر سيظل من الطبيعي قبوله وتشجيعه طالما كان مراعياً للقيم والمفاهيم الأساسية لمبادئ الحرية والديمقراطية... لكن المفارقة الغريبة في هذا الموضوع هو قبول المجلس الوطني الإنتقالي لهذا التأخير غير المبرر والسكوت عنه مما وضع الوطن والمواطن في حالة من الإرباك العام الذي يبدو أنه سيضيع نصيب كل مجتهد، وسيبطل معه كل دعاوى المجتهدين بالحرص على الوحدة الوطنية والوفاق الوطني حيث ينسى البعض بأن ثورة 17 فبراير قد جمعت الليبيين على كلمة سواء وجعلتهم على قدر لم يعهدوه من الوحدة والوفاق الوطني منذ إنقلاب سبتمبر المشؤوم عام 1969، وهي الحقيقية التي وعاها القذافي وأبناؤه جيداً وحاربوها بشتى السبل والوسائل لأنهم أدركوا بأنها ستكون عامل الحسم الأهم في إنتصار الشعب والإطاحة بنظامهم وهزيمتهم:
فلقد تأخر تشكيل المكتب التنفيذي والبحث لا يزال جارياً عن أعضاء لتشكيل الحكومة المؤقتة المؤلفة من أربعين وزيراً دون أن يتفطن أحد إلى أن تشكيل الحكومة المؤقتة لا يكون إلا بعد إعلان التحرير لكامل تراب الوطن، وبأن المجلس الوطني الإنتقالي هو من يقوم بإختيار وتكليف رئيسها وأعضائها وبأن ليبيا لا تحتاج حكومة على الطريقة اللبنانية بهذا العدد من الحقائب الوزارية.
ولقد تأخر تشكيل المكتب التنفيذي وعشرات الألآف من الليبيين لا يزالون في مخيمات الإيواء والإغاثة - داخل حدود الوطن وليس خارجها - وكان من الضروري وجود آلية رسمية تشرف على توفير مأواهم وغذائهم ودوائهم وتعليم أبنائهم، ولولا تبرعات أبناء المدن والقرى الليبية وإيثارهم على أنفسهم رغم خصاصتهم لحلت كارثة أخرى.
وقد تأخر تشكيل المكتب التنفيذي وأعضاء المكتب المقال لا يزالون يمارسون مهامهم وصلاحياتهم كوزراء، ولقد رأينا عدد من الإجراءات الإدارية والقرارات التي لا علاقة لها بهموم المواطن وضرورات معيشته اليومية، بل عكست حالة من قلة الخبرة والدراية في تسيير شؤون الدولة والسهر على راحة المواطنيين وأمنهم.
وتأخر تشكيل المكتب التنفيذي ومؤسسات الدولة لا تزال غائبة عن واقع الثورة الجديد وعن دورها في خدمة الوطن والمواطن حيث إنتشرت فيها كل مظاهر الثقافة التي تأصلت عبر سنوات حكم القذافي الطويلة من زحف وقدح وطعن وترهيب وتهديد يصل إلى حد التخوين في بعض الأحيان وفقاً لتصنيفات ألفها الليبيون وعانوا منها الأمرين.
إن التأخير في تشكيل المكتب التنفيذي والسعي لتشكيل حكومة مؤقتة بدلاً عن ذلك لن يعكس مدى حرصناً على تحقيق الوفاق والوحدة الوطنية... لكنه سيثبت بما لايدع مجالاً للشك بأننا كنخب سياسية وثقافية لا تحترم الإعلان الدستوري الذي إرتضاه كل الليبيين رغم تحفظاتهم على بعض مواده ونصوصه... كما أن هذا التأخير سيؤكد بشكل قاطع بأن الكثير من الأسماء التي طرحت لعضوية الحكومة المؤقتة كانت ضمن النخب التي شكلها سيف الإسلام القذافي وطرحها كحكومة بديلة ضمن برنامجه الإصلاحي لقيام جماهيريته الثانية، وهو ما يعني بأن القذافي وأبناءه سيبقون معنا روحاً وفكراً وثقافة خلال المرحلة الإنتقالية القادمة...
فهل سيعي المجلس الوطني الإنتقالي إلى ما سيقودنا إليه كل هذا التأخير والسكوت ويبادر إلى إتخاذ موقف يرتقي إلى حجم التضحيات التي بذلها الشعب الليبي للتخلص من القذافي وأبنائه أم سيترك الحبل على القارب ليختلط الحابل بالنابل...؟.
ولعلنا نستذكر معاً التوجيه العام الذي كان حكيم الأمة ((إدريس السنوسي)) رحمه الله يصدره عند إستقباله لكل حكومة جديدة قبل مباشرة أعمالها... كان يقول لهم ((إتقوا الله في هذا الشعب)).
14 اكتوبر 2011

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق