الجمعة، 28 أكتوبر، 2011

الظل الليبي يخيم على صناديق الثروة السيادية
إفرايم كالاميش*
بينما يسعى المواطنون الليبيون إلى إعادة بناء حياتهم واقتصادهم، أصبحت جهود مكافحة الفساد في هيئة الاستثمار الليبية، صندوق الثروة السيادية الذي استغله نظام معمر القذافي لتخبئة وإساءة استخدام ثروة ليبيا النفطية، تشكل أولوية قصوى.

يناقش المجلس الوطني الانتقالي الآن كيفية اختيار الشخص الذي سوف يتولى رئاسة البنك المركزي الليبي وأصول هيئة الاستثمار الليبية، وهو قرار مهم بشكل خاص لأن إنتاج النفط ليس من المتوقع أن يعود إلى مستويات ما قبل الحرب لسنوات عدة مقبلة. وبغض النظر عن الكيفية التي قد تتعامل بها الحكومة الليبية في نهاية المطاف مع هيئة الاستثمار الليبية، فإن جميع صناديق الثروة السيادية ومستشاريها والقائمين على جمع أموالها من الممكن أن يتعلموا دروساً مهمة عدة. بطبيعة الحال، لا ينبغي لأحد أن يستنتج من الحالة الليبية أن صناديق الثروة السيادية الأخرى بالكامل مبتلاة بالفساد وتضارب المصالح. فالواقع أن هيئة الاستثمار الليبية كانت حالة استثنائية دوماً، حتى إن العديد من مؤشرات تقييم صناديق الثروة السيادية من حيث الشفافية، والمساءلة، والقضايا المرتبطة بالحوكمة، كانت عادة تقيم إيران فقط في مرتبة أدنى من ليبيا في هذا السياق.
جرس إنذار
ولكن في حين تميل الحالات الصعبة إلى إرساء قواعد سيئة، ورغم أنه من السابق لأوانه أن نحكم على الأمور بشكل يقيني، فإن حالة هيئة الاستثمار الليبية لا بد أن تعمل كجرس إنذار للشركات والصناديق في الشرق الأوسط وفي مختلف أنحاء العالم.
فأولاً، يتعين على الحكومات أن توضح على نحو أفضل ما هي مصادر التمويل التي تقف وراء كل استثمار بعينه. وتمثل الصناديق الخاصة، التي يتبين أنها في الأصل أموال عامة مرتبطة بالأسرة الحاكمة أو وزراء حكوميين، مخاطر سياسية ومالية مختلفة، لذا فمن الأهمية بمكان أن يتم تقييمها بشكل مختلف.
مشكلة أسهم الشركات
ثانياً، عملت الأزمة الليبية على بلورة مشكلة اسمها «أسهم الشركات المملوكة لحكومات سيادية»، فعندما قررت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي فرض عقوبات على النظام الليبي، بما في ذلك تجميد الأسهم المملوكة لهيئة الاستثمار الليبية في شركات أوروبية وأميركية، فوجئ العديد من الرؤساء التنفيذيين لدى هذه الشركات من هول التأثير الذي تعرضت له شركاتهم بسبب هياكل الملكية. ومن الواضح أن سيولة الأسهم وملاحظة افتقار مديري الشركات إلى الحذر من العوامل التي تشكل أهمية شديدة.
وثالثاً، تسلط ملحمة هيئة الاستثمار الليبية الضوء على التأثير التراكمي المحتمل الذي قد تخلفه صناديق الثروة السيادية على استقرار الأسواق العالمية. إن جميع صناديق الثروة السيادية قادرة على الاستجابة للأحداث السياسية العالمية بالمسارعة إلى سحب الأموال المستثمرة في الخارج. وكما كشفت إحدى وثائق ويكيليكس فقد مارس الدبلوماسيون الأميركيون الضغوط على الحكومة الليبية أثناء الأزمة المالية لحملها على إبقاء أموالها في بنوك الولايات المتحدة والاستثمار بشكل مباشر في مؤسسات مالية أميركية متعثرة.
صناديق الثروة
وفي هذه الحالة، لم يستجب الليبيون لطلب سحب كميات ضخمة من الأموال، ولكن هذا قد يحدث في المستقبل. ويزعم البعض أن المصالح المتبادلة بين الحكومات صاحبة صناديق الثروة السيادية والبلدان التي تستضيفها، بما في ذلك استقرار النظام المالي والحفاظ على الدولار الأميركي باعتباره العملة الاحتياطية العالمية، أكثر من أن تسمح لها بتهديد الأسواق العالمية. وهذا صحيح إلى حد كبير في الأوقات العادية، ولكن ما الذي قد يحدث إذا انسحب عدد كبير من صناديق الثروة السيادية في نفس الوقت، في استجابة لحالة مفاجئة من عدم اليقين والتقلب ناشئة عن أسباب دبلوماسية أو تجارية؟ إن السلوك العقلاني الفردي كثيراً ما يكون انتحارياً على المستوى الجمعي. وأخيراً، ربما تعمل الحالة الليبية وأزمة الديون التي ضربت دبي في عام 2009 على زيادة الشكوك في العالم المتقدم، وقد تؤدي إلى اتخاذ تدابير الحماية ضد صناديق الثروة السيادية، خصوصاً تلك القادمة من شمال أفريقيا والخليج.
إن التدفق الحر لرؤوس الأموال من صناديق الثروة السيادية في هذه المناطق إلى الشركات في بلدان العالم المتقدم يشكل أهمية حاسمة في ما يتصل بموازنة الاقتصاد العالمي وتوفير السيولة للأسواق المالية، خصوصاً في ضوء التوقعات بعودة الركود إلى الغرب. ويتعين على البلدان المالكة والبلدان المضيفة أن تتيقن من عدم تسبب النزاع الحالي حول هيئة الاستثمار الليبية في إعاقة هذه العملية المهمة.
ولكن هل نتحرى العدالة عندما نقارن بين صناديق الثروة السيادية في مناطق مختلفة ونتوقع منها أن تلتزم بالمعايير الغربية؟.
إعادة هيكلة البنك المركزي
إن الجهود الحالية الرامية إلى إعادة هيكلة البنك المركزي الليبي وهيئة الاستثمار الليبية من شأنها أن تؤثر على نظرة الأسواق إلى اللاعبين السياديين الآخرين في المنطقة. وأذكر هنا حالة البحرين ودبي. فعلى الرغم من التقارير الأخيرة الصادرة عن مجموعة العمل الدولية بشأن الصناديق السيادية، والتي أشارت إلى المصاعب المحيطة بتطبيق معايير ثابتة للحوكمة، فسوف يتطلب الأمر اتخاذ العديد من التدابير من أجل إعادة ليبيا إلى أسواق رأس المال العالمية. وعلى الرغم من الوضع الفريد لاقتصاد ليبيا ونظامها السياسي اليوم، فإن التدقيق في عملية الاستثمار في الشركات الأجنبية، فضلاً عن تحديد طبيعة العلاقات بين النظام الليبي وإدارة الأموال، من الأمور الضرورية لضمان إقامة علاقات تجارية صحية بين الحكومات السيادية وحوافظ استثماراتها. والواقع أن المخصصات الضخمة المستندة إلى مخاوف سياسية، مثل العلاقات الليبية الإيطالية أو المحسوبيات، لابد أن تخضع لإعادة التقييم على ضوء ممارسات إدارية أفضل وأكثر قوة. ويتعين على الحكومات والشركات أن تستوعب هذه الرسالة وأن تتعلم من المثال الليبي. ذلك أن تكاليف البديل قد تكون باهظة إلى حد يفوق قدرة تحمل المساهمين والمواطنين على السواء.
________
* باحث ومستشار القانون الاقتصادي الدولي، ومؤسس المركز العالمي للتنمية الاقتصادية والأمن.
عن: بروجيكت سنديكيت

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق