الجمعة، 28 أكتوبر، 2011

التحديات الاقتصادية بعد الثورة
الحسن عاشي *
يُشكِّل سقوط نظام القذافي في ليبيا، فرصة تاريخية لبناء الاقتصاد الليبي على دعائم صلبة تتسق والإمكانات الطبيعية ورأس المال البشري للبلد، وتحقّق شروط الحياة الكريمة لساكنيه.
فمنذ عام 1969، عانت ليبيا من المركزيّة المفرطة للسلطة ومن التلكؤ في إدارة عائداتها النفطية الوفيرة. كما عانت من الغياب التام لمؤسسات الدولة الحديثة، وعدم الانسجام العميق للسياسات الاقتصاديّة، ما أدّى إلى تهالك البنية التحتية، وتردّي الخدمات الاجتماعية، وندرة فرص المبادرة الفردية، في ظلّ بيئة استثمارية منفرة لا تخضع لأي ضوابط قانونية شفافة. ولطالما شعر الليبيّون بالإحباط نتيجة تدنّي المستويات المعيشية لفئات عريضة من المجتمع، لا سيما خلال العقد الأخير. فغالبيّة المواطنين لم تشعر بأي تحسُّن بعد رفع العقوبات الدوليّة المفروضة على بلدها عام 2004، كما لم تنعم بالتدفّقات المالية الناتجة عن ارتفاع أسعار النفط خلال السنوات الأخيرة، اذ اقتصرت دائرة المستفيدين على أبناء القذافي وبني عشيرته الذين نالوا حصّة الأسد من الاستثمارات والمشاريع المستحدثة.
وفي حقبة ما بعد الثورة، يأمل سكّان ليبيا الذين لا يتجاوز عددهم الستّة ملايين ونصف المليون، في بزوغ غدٍ أفضل. إلا أن هذه التطلعات المشروعة تتربّص بها مجموعة من التحديات السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة. فعلى خلاف تونس أو مصر، ليس المطلوب فقط إصلاح الهياكل السياسيّة والاقتصادية ومؤسسات الدولة في ليبيا أو تعزيزها وحسب، بل يجب بناؤها من العدم أيضاً. وفي ظل مثل هذه التحديات، يبدو مستقبل ليبيا الاقتصادي رهنَاً بقدرةِ زعمائها الجدد على مجابهة متطلبات حاسمة في الميادين الآتية:
أوّلاً، على الحكومة الانتقالية، في المدى القصير، أن تتحمّل أعباء التكلفة البشريّة والاقتصاديّة المترتّبة على حربٍ دامت أكثر من ستّة أشهر، من خلال تأمين الخدمات الأمنيّة والاجتماعية الحيويّة الضرورية لإعادة الاستقرار إلى البلد. ومن شأن هذه الخطوات أن تعيد الثقة إلى الليبيين، وأن تمنح الصدقية الضرورية للحكومة الجديدة. ولا شكّ في أنّ استرداد أرصدة ليبيا المجمّدة في المصارف العالمية، والتي تفوق قيمتها 170 بليون دولار، وإدارتها بشفافية وفق أولويات المرحلة، لتحسين الأداء الاقتصادي وضمان عودة الثقة والأمان.
ثانياً، يجب إدارة عائدات النفط الليبيّة إدارةً حكيمةً تقوم على الوضوح والشفافية والمصلحة الوطنية، من أجل تفادي أية نزاعات مستقبليّة حول موارد الدولة. فقطاع الطاقة يُشكِّل نسبة 60 في المئة من إجمالي الناتج المحلّي، وأكثر من 90 في المئة من إيرادات الحكومة، و95 في المئة من الصادرات. ويقتضي هذا التحدي عدم التورّط في أية صفقات مشبوهة مع أي طرف مهما كانت مساهمته في تحرير ليبيا من قبضة القذافي.
ثالثاً، تحتاج ليبيا إلى تجاوز «النموذج» الاقتصادي الذي ساد خلال الفترة الماضية، والذي اقترن بالتعويل المفرط على عائدات النفط، وترسيخ شبكة الوصاية، وتوزيع الريع على المقرّبين من النظام. وتقتضي هذه الخطوة صوغ عقد اجتماعي جديد يتوافق عليه مختلف الأطراف والفاعليات، ينتقل بالبلد إلى اقتصاد منتج يحكمه القانون والمؤسسات.
رابعاً، تحتاج ليبيا خلال المرحلة المقبلة إلى وضع استراتيجيّة تنموية شاملة، من أجل تشجيع مبادرات القطاع الخاص للولوج إلى مختلف القطاعات الاقتصادية على أساس احترام مبادئ القانون والالتزام بقواعد االمنافسة. وإضافة إلى استقرار الاقتصاد الكلّي، يتطلب إنجاح هذه الاستراتيجية التنموية إدارةً اقتصاديةً فاعلةً تدعم المستثمرين، وقطاعاً مصرفياً ديناميكياً يضمن الوصول إلى التمويل، وإطاراً قانونياً وتنظيمياً واضحاً يحمي حقوق الملكيّة، ويقي من الممارسات الضارة بالمنافسة، ونظاماً قضائياً غير منحاز يسهر على تنفيذ مقتضيات العقود، وآليّات مناسبةً لتعزيز الثقة الاجتماعية في مجتمع افتقر إلى مثل هذه الثقة مدّة أربعة عقود ونيّف.
خامساً، على ليبيا أن تُواجِه التحديات المرتبطة بتأهيل طاقاتها البشرية ورفع قدرتها على تزويد أسواق العمل باليد العاملة ذات المهارات التي تلبي حاجات المشاريع الاقتصادية في مجالات الصناعة والخدمات، ومواكبة متطلبات التنويع الاقتصادي. فعلى رغم أن الأرقام الرسمية تشير إلى تحسّن ملموس في مستويات الالتحاق بالتعليم، إلا أن ظاهرة البطالة المرتفعة في أوساط المتعلّمين تكشف عن ضعف جودة التعليم الذي يحتاج بدوره إلى ثورة حقيقية قد تستغرق سنوات.
سادساً، على الحكومة الجديدة أن تسعى إلى تعبئة فرص التعاون، لا سيما مع مصر ودول المغرب العربي. فالاقتصاد في البلدين الجارَين، مصر وتونس، تأثر سلباً بالحرب الليبية، ومن المُتوقَّع أن يستفيد من إعادة إعمار ليبيا في المجالات التجارية والاستثمارية ومجال انتقال اليد العاملة.
وخـتامـاً، أمـام لـيـبيا فـرصـة ذهـبيّـة لـبنـاء مـسـتقبل اقـتـصـادي مشرق يمكِّن مختلف الفئات والفاعليات داخل هذا البلد من أن تفيد من ثرواته، وأن تشارك في صوغ سياساته الاقتصادية والاجتماعية. ولا شكّ في أن ليبيا تملك ما يكفي من الإمكانات المادية والبشرية لتحقيق هذا المسعى، إلا أن بلوغه لن يكون سهلاً، فهو على العكس من ذلك يفتح المجال أمام تحديات عدّة لا يستهان بها.
___________
* باحث اقتصادي أوّل في مركز كارنيغي للشرق الأوسط – بيروت
عن الحياة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق