الاثنين، 17 أكتوبر، 2011

مساهمة متواضعة في حوار بناء

الممكن والمفيد في مسار "العدالة الانتقالية"
إعداد الدكتور عبد المجيد بيوك
عقدت في الفترة الأخيرة عدة حوارات حول مفهوم العدالة الإنتقالية وكيفية تطبيقها في بلادنا في المرحلة القادمة، بعد التصريحات التي أدلى بها الاستاذ محمد العلاقي، مسؤول العدل في المكتب التنفيذي للمجلس الوطني الإنتقالي، وهذه مساهمة متواضعة في هذا الحوار البناء نحو الإنتقال الفعال من الثورة "المعجزة" إلى الدولة المدنية الديمقراطية.

العدالة الانتقالية هي مجموعة الإجراءات المطلوبة لمواجهة إرث انتهاكات الحقوق في الماضي والتعامل معه بطريقة شاملة بهدف جبر الضرر وتحقيق العدالة الاجتماعية والإنصاف المعنوي والمادي في فترات الإنتقال السياسي وبالتالي محاسبة الطاغية وأعوانه على جرائم الماضي ومنع تكرارها في المستقبل، أخذا في الاعتبار الصفة الجماعية لتلك الانتهاكات كما في حالة مجزرة بوسليم وعمليات الإغتصاب والقتل الجماعي في الأشهر الأخيرة.

إن من أهم أهداف العدالة الإنتقالية ضمان حقوق الضحايا، ولذلك فإن من الضروري على الحكومة الإنتقالية تهيئة الظروف الملائمة لصيانة كرامة الضحايا وتحقيق العدل عبر مختلف الوسائل والتي من أهمها التعويض المادي والمعنوي عن بعض ما لحق بهم من الضرر والمعاناة.
من الناحية التاريخية تعود إجراءات العدالة الانتقالية إلى المراحل التى تعقب الحروب مثل ما حدث في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية  (محاكمات نورمبرغ) وايضا في المراحل التي تعقب عهود الاستبداد والدكتاتورية (تجربة أسبانيا في الإنتقال للملكية الديمقراطية ، ومحاكمات حقوق الانسان في اليونان في أواسط السبعينيات، والمتابعات التى لاحقت الحكم العسكري في الأرجنتين في الثمانينيات، وجهود تقصي الحقائق في تشيلي في التسعينيات)، وكذلك لجان التحقيق والمصالحة الشهيرة بعد سقوط النظام العنصري في افريقيا الجنوبية ، وأيضا ما حدث في أوروبا الشرقية بعد انتصار الثورات الملونة من خلال فتح ملفات الأمن الداخلي في تشيكسلوفاكيا.
مسار العدالة الانتقالية ينطلق من أن العدالة ليست شيئا مطلقا، بل تقتضي الموازنة بين جبر الضرر والإنصاف من جهة، وتحقيق الوئام والسلم الاجتماعي وسيادة القانون من جهة أخرى.
المعوقات التي تواجه مسار العدالة الانتقالية تتمثل في غياب الإرادة السياسية ، ووجود نظام قضائي ضعيف،  وغياب أو ضعف التوثيق للأدلة الجنائية خاصة في حالة تورط عدد كبير من مرتكبي الأفعال ضد عدد كبير من الضحايا كما حدث في الأشهرة الأخيرة .. ولكن برغم تلك القيود أو بعضها فإن الحكومة الإنتقالية مطالبة بتحقيق قدر ضروري من العدالة الانتقالية في المجتمع.
لا شك أن لكل تجربة خصوصيتها ووضعها الخاص ، فليس هناك اتفاق عام على ضرورة مواجهة الماضي بكل ما فيه من الآم ، بل لا يوجد نموذج موحد لكيفية مواجهة مرحلة الانتهاكات . ولكن الأمر الذي لا خلاف عليه (في الحالة الليبية) أن العدالة الانتقالية ضرورية إذا أردنا جبر الضرر و تحقيق الإنصاف لكل الأطراف المتضررة حتى لا تتكرر الانتهاكات في المستقبل، انطلاقا من العوامل التالية:.
عوامل أخلاقية: حيث يحتم علينا الواجب الأخلاقي الاعتراف والقبول بوجود الضحايا وبمعاناتهم، حيث من المستحيل نسيان أو تجاهل ما حدث من مآسي في ثورة 17 فبراير أو في ما مضى من عقود الدكتاتورية لأن ذلك النسيان أو التجاهل يعني إصرارا على إطالة عمر معاناة الضحايا و إعادة الإحساس لهم بالظلم والإهانة والاستخفاف بآلامهم.
عوامل مستقبلية: حيث من الضروري عند التطلع إلى المستقبل أن نجعل البحث في الماضي نوعا من الردع المادي والمعنوي والنفسي، فالتذكّر والمطالبة بالمحاسبة سيكونان كفيلان بالحيلولة دون ارتكاب أعمال شنيعة مماثلة في المستقبل.
أما وسائل تحقيق العدالة الانتقالية فهي متعددة، ومن أهمها:
ـ عقد جلسات استماع شفافة تركز على معاناة الضحايا وأسرهم، كما تتضمن اعترافات المذنبين وربما تصل إلى حالة من المصارحة والاعترافات لبعضهم أمام بعض الضحايا..
ـ القيام باجراءات عملية وقانونية لتقصي الحقائق وتوثيق المواقف .. مما يتطلب إيجاد إجراءات مرنة وقانونية بخصوص القضايا قيد البحث لتجميع شهادات وأدلة جنائية حول جرائم محددة .. ووضع بروتوكولات خاصة بجلسات الاستماع العلنية لضمان سرية المعلومات الحساسة.
ـ اتخاذ مبادرات عملية للتعويض المادي والنفسي تقوم على معالجة الانتهاكات  .. أخذا في الاعتبار هدفي جبر الضرر والانصاف المادي والمعنوي..
في الحالة الليبية، هناك فئات و جماعات عديدة تطالب بالبحث وكشف حقيقة كل ما حدث خلال ثورة 17 فبراير وخلال العقود الأربعة التي سبقتها من عنف وانتهاكات للحقوق من اغتصاب وتعذيب وقتل جماعي وعن المقابر الجماعية والمفقودين وما حدث في المعتقلات والسجون وخلال حملات التصفية الجسدية والمحاولات الإنقلابية وفي الحروب الخاسرة التي خاضها النظام الهالك والتي راح ضحيتها آلاف الضحايا من ابناء الشعب الليبي.
لعله من اللازم، إذا صحت النوايا، البدء بإنشاء لجان لكشف الحقيقة تعمل في استقلالية وتقوم بتحقيقات حول الانتهاكات التي قام بها الطاغية طوال الأشهر والعقود الماضية. وهذه اللجان تختلف في مهامها وتكوينها عن لجان التحقيق التي تنشئها الدولة للقيام بتحقيقات رسمية في جرائم مدنية وسياسية، وهي وإن كانت تتقاسم نفس الميزات مع لجان كشف الحقيقة إلا أنها تختلف عنها من حيث محدودية نطاقها وسلطاتها واستقلاليتها.
ورغم القيمة الفائقة للعديد من أنواع آليات تقصي الحقائق، فإن الآلية الأوسع انتشاراً والأكثر تطبيقا، والتي تعتبر الأقرب اتصالا مع العدالة الانتقالية، نظريا وعمليا، هي لجان كشف الحقيقة. ورغم أن مفهوم هذه اللجان مرتبط غالبا بمثالها الذي يمكن القول بأنه الأكثر شهرة وهو لجنة جنوب إفريقيا للحقيقة والمصالحة ، فذلك العمل كان نوعا نادرا من اللجان من أوجه كثيرة، خاصة أنها اللجنة الوحيدة التي كانت تملك سلطة منح العفو.
لجان كشف الحقيقة هي هيئات مؤقتة وهي ليست لجان قضائية دائمة، ولكنها تتمتع بنوع من الاستقلال القانوني، وتعمل بتكليف من الحكومة المؤقتة وبمباركة المجتمع المدني والأهالي. هذه اللجان تعطي الأولوية لحاجيات الضحايا المادية والمعنوية والجسدية؛ وتنهي في معظم الأحيان عملها بتقديم تقرير نهائي يتضمن الاستنتاجات والتوصيات. وهناك نماذج عديدة لهذه اللجان اشتهر منها
ـ "لجنة التحقيق من أجل تقييم تاريخ الديكتاتورية وعواقبها في ألمانيا".
ـ "لجان البحث عن المختفين قسريا" في الأرجنتين وأوغندا وسري لانكا؛
ـ "لجان الحقيقة والعدالة" في هايتي والإكوادور،
ـ "لجان الحقيقة والمصالحة" في تشيلي وجنوب إفريقيا وسيراليون وغانا وبيرو وصربيا والمونتي نغرو.
ـ "لجنة التلقي والحقيقة والمصالحة" في تيمور الشرقية.
في الحالة الليبية قد لا نجد نموذج مثالي من هذه اللجان يتناسب مع أوضاعنا السياسية والأمنية والحقوقية، ولكن مهما كانت محدودية خياراتنا فإنها ستجلب معها العديد من الفوائد للمجتمع والدولة في هذه المرحلة الإنتقالية، منها:
ـ إعانة المجتمع في استجلاء الحقيقة حول طبيعة وحجم الجرائم غير المبررة التي ارتكبت خلال الأشهر والعقود الماضية.
ـ توفير قاعدة إعلامية للضحايا من مختلف المراحل الزمنية والأحداث السياسية وتعريف المجتمع بقصصهم ومعاناتهم الشخصية والاسرية لتكون عبرة في المستقبل لكل من يتولى مسؤولية التعامل مع المخالفين للنظام الحاكم.
ـ وضع توصيات محددة ببرامج مفصلة لتعويض الضحايا وأسرهم وللقيام بإصلاحات قانونية ومؤسسية ضرورية لمنع تكرار الانتهاكات في المستقبل.
ـ ترسيخ ثقافة التسامح والمصالحة على الصعيد الفردي والأسري والقبلي والوطني لمنع النعرات العائلية والقبلية والجهوية من توظيف الماضي لصالح آليات الإنتقام أو التشفي في حسم الخلافات في المجتمع.
هذه اللجان ستواجه العديد من المعوقات لبلوغ أهدافها المرجوة منها، والتي تشمل ضعف المجتمع المدني (تشريعا وتنظيما) ، عدم ضمان الإرادة السياسية لدعم خط العدالة الإنتقالية، رفض مرتكبي الأفعال الإجرامية التعاون مع لجان كشف الحقيقة، خوف الضحايا والشهود من الإدلاء بشهاداتهم وعدم قدرة الحكومة الإنتقالية على توفير الأمن لهم، ضعف أو فساد المؤسسة القضائية ، قصر المدة الزمنية المتاحة لإنجاز المهمة.
التعويض المادي والمعنوي
ينطوي مفهوم التعويض المنصف للضحايا على بعدين:
الأول: التعويض المادي المباشر سواء لجبر الضرر أو للتعويض عن ضياع الفرص ويشمل منح أموال أو حوافز مادية، وتقديم خدمات مجانية في الصحة والتعليم والإسكان والعمل، وهذا النوع من التعويضات يمثل أكبر التحديات الإدارية والقانونية والسياسية.
الثاني: التعويض المعنوي والأدبي لرد الإعتبار للضحايا ومساعدتهم للعودة لحياتهم اليومي الطبيعية ويشمل إصدار اعتراف واعتذار رسمي بما جرى من قمع في الماضي، وإقامة نصب تذكاري عام، وتخصيص أماكن عامة وأسماء شوارع وميادين، وعقد مراسم دفن ملائمة للضحايا القتلى، كل منهم في قبر خاص به بدلا من القبور الجماعية، ورعاية معارض خاصة أو أعمال فنية أو بناء نصب تذكارية عامة.
ولكي تحقق التعويضات اهدافها، لابد من مراعاة جملة من الاعتبارات، وهي:
الإعتبار الأول: أن يكون التعويض مجزيا مهما كان عدد الضحايا، وهذا يتطلب تعريف الضحية أو الفئة المستفيدة بوضوح ولكن لا يعنى ذلك أن يقلص عدد الضحايا المستفيدين من التعويض بإقصاء عدد من الضحايا من ذوي الاستحقاق.
الاعتبار الثاني: أن يمنح التعويض للإفراد مقابل معاناة كل واحد منهم، وليس لهم كجماعة لحق بها الضرر الجماعي، ولا ينبغي للحكومة الإنتقالية التعامل مع هذه التعويضات على أنها جزء من برنامج سياسي يراد به تحقيق مكاسب سياسية لصالح إسلوب إدارتها للأزمات، ولا تتحول التعويضات الجماعية إلى دعاية سياسية لأي من القوى السياسية في المجتمع المدني. فالتعويضات الممنوحة للأفراد هدفها جبر الضرر وليس الدعاية السياسية.
الاعتبار الثالث: أن تشمل التعويضات حزمة متكاملة من الخدمات المتنوعة كالمعونات الطبية والتعليمية والسكنية والتأهيلية بالإظافة إلى صرف مبالغ مالية نقدية. إن خيار الخدمات المتكاملة قد يكون أكثر كلفة للدولة الجديدة ولكنه يعتمد عى نوعيتها وسهولة الحصول، وعلى حسن إدارتها من قبل الجهات المكلفة بها.
هناك أشكال إضافية من التعويض، منها (أ) القيام بإجراءات لمساعدة السكان الذين تم ترحيلهم بالقوة أو الذين سرقت أراضيهم أو هدمت بيوتهم، (ب) العمل على إرجاع حقوق الحرية والمكانة الاجتماعية والجنسية لمن فقدوها، (ث) إعادة إدماج المتضررين في مناصبهم السابقة في الوظائف العمومية.
قد يصر بعض أهالي الضحايا على تقصى الحقيقة (كاملة) ولكنهم لا يرغبون في التعويضات المادية كما في حالة بعض أهالي ضحايا ابوسليم ، ولكن الجميع يدرك بأن قول الحقيقة فقط خطوة فارغة بدون تعويضات. وأن الحصول على التعويضات المادية دون كشف بعض الحقيقة يجعل من تلك الأموال كالمال الملطخ بالدم. من جهة أخرى هناك توجه عام وبإصرار على ضرورة محاكمة الذين تورطوا في التعذيب والقتل ولكن التجارب أكدت بأن من عاش من الضحايا وأهاليهم وحضر المحاكمات لم يحس أبدا بالرضى في رؤية معذبيه يحاكمون أمام محاكم قانونية. ولذلك تستطيع التعويضات في هذه الحالة أن توفر جبر الضرر لأكبر عدد من الضحايا أكثر مما تستطيع أية سياسات أخرى.
الدروس المستخلصة من تجارب العدالة الإنتقالية
أولا: ليس هناك شكل واحد باستطاعته ترضية الضحايا وأهاليهم، ولذلك من الأفضل اختيار وسائل متعددة تصور الغاية من التعويضات على أنها إحقاق للحق.
ثانيا: لا يمكن تصور تنفيذ العدالة الانتقالية، ونفاذ القانون، ومحاكمة عناصر نظام القذافي الهالك دون أدنى مقاومة منهم.  ولا يمكن أيضا تجاوز المآسي التي سببها الطاغية وأعوانه والتحول نحو الديمقراطية دون إعادة الحقوق إلى أصحابها، فالحقوق لا تسقط بالتقادم.
ثاليا: ينبغي أن تكون التعويضات موجهة نحو المستقبل بدلا من الماضي، وبالتالي يتم التركيز على الرفع من مستوى الضحايا بأقصى قدر ممكن مع الإقرار بأن الترضية الكاملة الشاملة مستحيلة.
رابعا: أن تكون هناك موازنة بين الإجراءات الفردية والجماعية مع الأخذ بعين الإعتبار نوع العنف الذي ينبغي جبر ضرره وبالتالي يكون من المعقول التركيز على الجوانب التي تلقى قبولا لدى الضحايا وأهاليهم وأيضا ما يلبي حاجياتهم.
خامسا: أن لا تكون التعويضات سببا في إثارة التوترات الموجودة من قبل وأن لا يقصى بشكل مجحف أي من الأطراف التي لها حق بديهي في ذلك. ومن شأن إقصاء مجموعة لها مطالب مشروعة واضحة من عملية التعويض أن تعقّد جهود العدالة والإنصاف وبالتالي تعيق جهود التصالح وتؤدي إلى نوع من المظالم التاريخية.
سادسا: أن تمنح التعويضات استنادا على مبادئ معلنة وألا تستعمل كوسيلة للدعاية لأغراض سياسية، بحيث لا تصبح مصدر لإثارة النزاع والإنقسام. ومن التجارب السابقة تبين أنه حتى في الحالات التي كان برنامج التعويضات فيها يستند بالكامل إلى مبادئ ويتصف بعدم التحيز، الحقيقة أن هناك خطر دائم أن يكون هناك انقسام في المجتمع بخصوص التعويضات، وبالذات عند انعدام الإجراءات الضامنة للحقوق الأساسية لجميع المواطنين.
سابعا: أن تتضمن التعويضات حزمة من الأعمال الرمزية بعد عملية تشاور وحوار مجتمعي شامل، فهي أكثر مدعاة للمصالحات خاصة عندما يكون الغرض منها علاج المظالم، والسعي إلى الإدماج بدلا من الإنقسام.
طرابلس، 17 اكتوبر 2011

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق