الأحد، 10 يوليو، 2011

ليبيا السحر المفاجئ... كيف تعمّد القذافي حرمان العالم منها

عبدالرحمن شلقم *: اتخذ حلف الناتو في الأسابيع الماضية قراراً بتجديد مهمته في ليبيا ولمدة 90 يوماً، كان هذا القرار توأم النهاية بالنسبة الى معمر القذافي،
فقد أقسم له بعض من حوله، أن الناتو منقسم حول تمديد مهمته في ليبيا، ولن يكون هناك إجماع حول ذلك، وأنه سيستيقظ، أي معمر القذافي - ذات صباح أو مساء - كما تسمح ظروف نومه، ليجد سماء ليبيا خالية من طائرات الحلف، ولن يكون هناك صوت في أجوائها إلا صوته يردد: زنقه، زنقه، بيت، بيت، إلى آخر صيحات مانفيستو القائد الأممي، ملك ملوك أفريقيا، ويرتفع خلفه صوت الملايين من المرتزقة، يحملون رشاشاتهم، وداخل دباباتهم، السيوف وأكياس «الفياغرا»، لتأديب الجرذان الليبيين الذين خرجوا عن طاعة سيدهم العظيم، فحق عليهم القول، لأنهم من الآبقين.
جاء قرار حلف الناتو بالإجماع لتمديد مهمته في ليبيا، على رغم وعود بعض النصابين من الأوروبيين الذين دفع لهم – القذافي – الملايين من الدولارات، من طريق مدير مكتبه، المعروف، والذي يتقن هذه المهمة، والذين قالوا له إنهم قادرون على شق وحدة الحلف، وأوهموه بأنهم سيتنقلون بين عواصم الدول الأعضاء في الحلف، وبتلك الملايين من الدولارات سيشحذون الإسفين القادر على تقطيع وحدة الحلف، لكن قرار الحلف جاء بالإجماع ومدد المهمة، وتأكد للقذافي وللسلفيين القوميين، خصوصاً الإعلاميين منهم، الذين يعملون بعقيدة «خالف تعرف»، ولا يزالون يدقون طبول اللغة البلاستيكية القومية المنسية، تأكد لهم ان حياة البشر ودماءهم عند الأمم الحرة الديموقراطية التي تقدس حق الإنسان في الحياة والحرية أغلى من المال، وأعلى من صوت الطغاة والمرتزقة السياسيين والعسكريين والإعلاميين.
أما الشق الثاني لهذا التوأم، فهو قرار كل من فرنسا وبريطانيا، استخدام طائرات مروحية فعالة، للمرة الأولى ضمن الجهد العسكري لحلف الناتو ضد كتائب القذافي ومرتزقته، فالتفّت الساق بالساق، وأيقن معمر القذافي وأولاده، ومن لا يزال يناديه بلقب «القائد» - أيقنوا أن حبل النهاية يزداد ضيقاً حول رقابهم.
هناك صوت آخر يرتفع، وحبل غليظ يلتف حول رقبة القذافي، وهو هدير ثوار جبل «نفوسه» - الجبل الغربي - الذي انحدر من القمة وانساب مندفعاً نحو سهل «الجفارة» عبر منفذ «بئر عياط»، مستهدفاً سلسلة مدن الساحل الشمالي الغربي، الذي لا تفصله عن العاصمة طرابلس سوى عشرات الكيلومترات. والسهم الحاد الفعال الآخر هو الذي أطلقه الجبل الغربي نحو المحور الجنوبي، أي منطقة العزيزية، وهي القدم الشرقية للجبل، التي تلتف في شبه هلال بين الجبل ومدينة طرابلس. كل هذه الأرتال تقود إلى الحفر التي يختبئ فيها معمر القذافي وأولاده. لا شك في أن أنين ملك الملوك لا يقل هديراً عن صوت «الأباتشي» ودقات أقدام الثوار الزاحفين من الغرب ومن الجنوب، وها هو «القائد» يحاول الاتصال بأصدقاء وحلفاء الأمس في مشارق الأرض ومغاربها بحثاً عن ملجأ فوق الأرض بعد أن قضى في الحفر أسابيع طويلة. صمتت الهواتف، وأغلقت الأبواب في وجه مبعوثيه، وترك يائساً زائغاً، تضيق حول عنقه الحبال، وتضيق الحفر، إما إبنه سيف الإسلام الذي كان يردد هازئاً هازلاً: «عجبت لمن يستطيع أن يعيش فوق الأرض الليبية أكثر من ثلاثة أيام». فها هو يعيش تحت أرضها لأكثر من ثلاثة أشهر! وبعد أن تبرأ الأساتذة الذين منحوه شهادة الدكتوراه من علاقتهم به، وأرجعوا المال الذي تبرع به لجامعتهم، فأمامه فرصة كبيرة اليوم لتحضير شهادة دكتوراه ربما تكون أكثر علمية من زنزانته المقبلة في لاهاي. أما السفيرة عائشة معمر القذافي التي عينتها الأمم المتحدة في سلك أهل النوايا الحسنة، فيلمع اسمها في صفحات الانتربول. ما أكبر هذا الدرس وما أقساه. يا أيها الزمن، وأنت يا جيش الأيام، أي محكمة أنتما، ويا أيها الشاعر العظيم، يا أبا الطيب المتنبي، الذي لا تزال كلماته تملأ الدنيا وتشغل الناس، وتشعل الحكمة، أما زلت ترافقنا، وتلاحقنا بنبوءاتك الرهيبة. أراك تجلد معمر القذافي بسوط تلك القصيدة النونية التي مطلعها:
أرق على أرق ومثلي يأرقُ
وجوى يزيد وعبرة تترقرقُ
أين الجبابرة الأكاسرة الأولى
كنزوا الكنوز فما بقين وما بقوا
من كلِ من ضاق الفضاء بجيشه
حتى ثوى فحواه لحد ضيق
خُرس إذا نودوا كأن لم يعلموا
أنَ الكلامَ لهم حلال مطلق
والموت آتِ والنفوس نفائسُ
والمستعز بما لديه الأحمق
كم سيقولُ الشعرُ والكلامُ والتاريخ عن الطغاة الذين سحقوا الناسَ بالسلطة فسحقتهم.
ليبيا والناتو
أعود إلى قوسي الموضوع: ليبيا والناتو. لقد شرفني معمر القذافي، ومن حوله باتهامي بإحضار طيران الناتو إلى سماء ليبيا، ذلك لأنني قلت في كلمتي أمام مجلس الأمن: «أنقذوا ليبيا» ومساهمتي في صياغة قراري مجلس الأمن 1970 و1973، وأنا الآن أقول: تلك تهمة لا أنفيها، وشرف لا أدعيه، ولولا وصول طائرات الناتو قبل ساعتين من وصول أرتال القذافي المجنزرة والصاروخية إلى بنغازي يوم 19/03/2011 لكانت تلك المدينة قبراً جماعياً رهيباً، يضم عشرات الآلاف من جثث المدنيين الأبرياء. وللحقيقة، فإن المجتمع الدولي، أدرك أن معمر القذافي قد دخل في حالة من الجنون، وأنه لن يتردد في قتل الملايين من الشعب الليبي من أجل استمرار تسلطه وتحكمه في ليبيا وأهلها ومقدراتها، وهكذا قرر هذا المجتمع الدولي من خلال مجلس الأمن أن يتخذ إجراءات شجاعة وحاسمة ومباشرة من أجل حماية الليبيين من جنون الطاغية معمر القذافي.
لا بأس من الإطناب، وبعض التفصيل الممل عندما يتعلق الأمر بموضوع جلل مثل ليبيا والقذافي، ومن فوقهما الناتو ومن حولهما ثوارنا الشباب الأشاوس، كنز بلادنا ودم عظمتنا.
لم نجب بعد عن سؤال السائلين: أيها الناتو، لماذا ليبيا؟
أقول، محاولاً الإجابة:
أولاً: لقد حكم - الملازم - معمر القذافي الذي منح نفسه رتبة (عقيد) غداة الانقلاب، حكم ليبيا قرابة 42 عاماً منذ أول أيلول (سبتمبر) 1969 وحتى الآن. بدأ معمر القذافي عهده لغزاً، انقلب على ملك عجوز ينحدر من عائلة صوفية متسامحة زاهدة، نظيفة اليد والعرض. ووصف بعض المحللين والمؤرخين السياسيين الملك إدريس السنوسي بالضعف، ولا مجال للتشكيك في أنه قرر ترك الحكم في ليبيا، والإقامة في مصر، التي تربى فيها وعاش بين أهلها، وتعرف عليهم في الاسكندرية ومرسى مطروح والبحيرة.
في آخر ستينات القرن الماضي ظهرت أعراض النفط على ملامح المجتمع الليبي، وعلت رائحة الفساد، ولم يعد الصراع على السلطة همساً يتردد في حلقات (المرابع الليبية)، أي الصالونات، بل إن هناك من قال بمؤامرات ومحاولات اغتيال بين المتنفذين في النظام. سرت أنفاس التناقض بين جيل الوارثين القدامى، أعني رجال السياسة الذين رفعهم زمن توزيع المناصب العليا في الدولة على أسس جهوية وقبلية. كان رؤساء الوزارات والوزراء، ورؤساء مجلسي الشيوخ والنواب من رواسب ما قبل الوحدة الليبية، في حين رفع الجيل الجديد الذي تخرج في الجامعة الليبية والجامعات الأجنبية، رأسه متطلعاً إلى أخذ نصيبه من دنيا السياسة وأموال النفط. سرت مفاهيم التحديث والبحث عن الهوية الوطنية الليبية في مواجهة حملة التعريب الإعلامي المتدفقة من «صوت العرب»، وأصوات عبدالناصر الأخرى، وأطلق عبدالحميد البكوش رئيس الوزراء الشاب المثقف والشاعر، أطلق شعار «الشخصية الليبية». والتفّت حوله ثلة من المثقفين اقتناعاً أو انتهازاً، لم يستطع شعار البكوش الوليد إسكات صدى هتافات جمال عبدالناصر التي تطفح بالعروبة والاشتراكية وتحرير فلسطين، كان الطالب معمر القذافي الفقير القادم من وديان منطقة سرت إلى مدرسة سبها في جنوب ليبيا رقماً غائباً سيحضر في ما بعد، أتقن استخدام بضاعة الرئيس المصري أو ظاهرته الصوتية، لم يكن قد رآه بل سمعه عبر الأثير المتدفق من الآلة الإعلامية المصرية. أدرك القذافي هشاشة النظام الملكي الليبي، الذي لم يتطلب سوى تنظيم 70 ضابطاً شاباً حالماً ليستولي بهم على المملكة، التي كانت تشق طريقها نحو الحداثة والتنوير والتنمية، وإن شابتها نعرات الجهوية والقبلية وبقايا غبار البداوة. تلك كانت ليبيا التي استولى عليها معمر القذافي في قفزة عبثية ليلية كأنها مشهد من عمل شكسبيري.
سابق معمر القذافي نفسه في تقديم صورته إلى العرب كعبدالناصر الصغير، الذي علق على صدره رتبة «أمين القومية العربية». دخل معمر في هذه الشحنة القومية واندفع يفجّرها في لبنان ومصر وسورية وتونس والمغرب والسودان، شعارات وتفجيرات في المغرب، وفي قفصة في تونس، وتسليح وتمويل فصائل متقاتلة في لبنان وفي جنوب السودان وفي مسقط. لم يكتف القذافي بالتفجيرات في ساحة العرب، فهو افريقي، إسلامي/ أممي، فنقل أسلحته وأقواله إلى إرلندا والكاريبي، والفيليبين وأفريقيا، ولم تشبعه تفجيرات الأرض فقاده فهمه إلى تفجيرات السماء، ففجر طائرة اليو - تي – إيه الفرنسية فوق صحراء تينيري في النيجر، وطائرة البانام فوق لوكربي في إرلندا. وللمراقص لذتها في نغمة التفجير، فأمر بتفجير مرقص برلين في ألمانيا، وكان للفيليبين نصيبها من الصواعق الأممية، وكذلك أوغندا من خلال دعم الطاغية المجنون عيدي أمين والذي كلف الشعب الليبي مئات القتلى والمفقودين الذين أكلتهم التماسيح في أنهار أوغندا وسط الأدغال.
أما أفريقيا الوسطى وإمبراطورها المعتوه فيديل بوكاسا آكل لحم الأطفال، فقد كانت الأرض التي ألهمت القذافي رتبة ملك ملوك أفريقيا في ما بعد، أما الحرب على تشاد المجاورة فكانت النزيف الذي لا يزال يتدفق من جسد ليبيا ومن ضميرها، فقد كانت تلك مذبحة راح ضحيتها آلاف الأطفال الليبيين الذين أُخذوا قصراً من مدارسهم الإعدادية ليقتلوا ويؤسروا في موقعة وادي الدوم. وكان الصدام المسلح مع مصر السادات مأساة عبثية لم يعرف أحد إلى اليوم أسبابها أو دوافعها. أما اغتيالات الأفراد داخل ليبيا وخارجها فكانت هواية معمر المفضلة، فكم قتل من المعارضين في الخارج الذين كان يسميهم «الكلاب الضالة».
كانت تلك صورة معمر القذافي في الرأي العام العربي والعالمي، أي ذاك الإرهابي الدموي الذي يحمل فوق رأسه خزائن دولارات النفط وبين يديه بنادق وقنابل القتل... فاقت صورة القذافي الإرهابية كل صور أمراء القتل من كارلوس إلى عصابة بادر ماينهوف الألمانية، والألوية الحمر الإيطالية، والفعل المباشر الفرنسية، والجيش الجمهوري الإرلندي، ومنظمة فارك الكولومبية. لقد ملأ معمر القذافي الدنيا وشغل الناس بصورته كإرهابي لا يتورع عن قتل المدنيين في كل مكان وزمان.
معارج الارهاب
ارتقى معمر القذافي في معارج الإرهاب، حتى وطأ درجة أسلحة الدمار الشامل، أي سلاح الذرّة، والصواريخ الطويلة المدى، إضافة إلى السلاح الجرثومي والكيماوي، جنّدَ لهذه القدرات المرعبة العلماء من كل حدب وصوب واستعان بالعالم الباكستاني النووي قدير خان، رصد بلايين الدولارات... ارتعدت فرائص الدول الغربية، وقررت أن ليس في إمكان إرهابي معتوه أن يمتك أسلحة دمار شامل. دارت العجلة، كنت وزيراً لخارجية ليبيا، وعشت تفاصيل تلك الأيام والليالي، في مفاوضات ماراثونية، كنت فيها بين مطرقة الولايات المتحدة الأميركية وسندان معمر القذافي، وقد سجلت تفاصيل تلك المعارك السياسية التفاوضية في مكان غير هذا.
كان معمر القذافي عبر مسيرة العقود الأربعة التي قاد فيها ليبيا، ينحت من حجر صلب، وبإزميل جبّار تمثاله الأسطوري الرهيب كإرهابي غير مسبوق، ولم تكن الدنيا في حاجة لإضافة أي رتوش إلى ذلك التمثال الاسطوري المرعب. وقد قام هو نفسه ببناء القاعدة العالية التي انتصب فوقها ليراه العالم من كل المسافات كعلامة فارقةLand Mark في كون الإرهاب.
تفوّق معمر القذافي على نفسه عندما جلل تمثاله ذلك بالمعلقة الإعجازية التي زفّها الى البشرية من على منبر الأمم المتحدة في أيلول (سبتمبر) 2009، هناك في برج الزجاج الأممي، مارس القذافي أمميته الكلامية، حلّق في دنيا من الرماد والظلام وسبح في محيط التيه، شهدت الدنيا على مجد النزق والبلاهة المتفجرة من وهم العظمة، التفت أعضاء ووفود الدنيا إلى  بعضهم بعضاً ضاحكين وساخرين ومتسائلين: أي مخلوق هذا؟ ومن يكون؟ هناك، كان لكل سؤاله، وما من أحد يدعي أنه تمكن من قراءة الإجابة. ولكن، بلا شك ان الذين كان في عقلهم وفي يدهم الحل والعقد في أعالي صناعة القرار قلبوا الصفحة وقالوا في دخائلهم لمعمر القذافي: لا، لا، لقد ارتقيت مرتقى صعباً، بعد قرارك التخلص من أسلحة الدمار الشامل، غفرنا لك ما تقدم من نزقك، انفتحت علينا، فانفتحنا عليك، حاولنا أن نرى فيك وجهاً غير الوجه، وروحاً غير الروح، فقبلنا تعويضك لقتلانا، قلبنا الصفحات، أرسلنا الشركات، ولكن، للمخابرات شفرات أخرى، وكانت للإعلام قراءة أخرى، فعندما أفرجت حكومة اسكتلندا عن عبدالباسط المقرحي، ورافقه سيف الإسلام معمر القذافي على الطائرة في عودته إلى طرابلس، بدأ الإعلام الأميركي يعزف أنغاماً أخرى، تسترجع تجليات القذافي الإرهابية، ساهمت فيها قصة محاولات القذافي نصب خيمته في فيلا في ضاحية نيوجيرسي تمتلكها البعثة الليبية لدى الأمم المتحدة، في حي إنغلوود الذي قتل أكثر من 20 طالباً من قاطنيه في طائرة لوكربي... كانت تلك إعادة لرشّ الملح على الجرح فاشتعل الإعلام الأميركي واستحضر صورة القذافي القاتلة، فقامت الدنيا في أميركا ولم تقعد إلا في ليبيا عبر قوات الناتو التي حومت فوقها في آذار 2011.
هكذا صب معمر القذافي الوقود على صورته وجسمه في زخّات من الوهم وجنون العظمة التي أججها الدم والمال.
ثانياً: عبقرية المكان: ليبيا دولة كبيرة المساحة، قليلة السكان، تبلغ مساحتها مليوناً وسبعمئة وخمسين ألف كيلومتر مربع، لها ساحل على البحر الأبيض المتوسط بطول 1750 كلم. في شرقها الجبل الأخضر، دائم الاخضرار، وفيه عشرات الخلجان، تخلب العقول، وغابات لا يصدق الكثيرون أنها في ليبيا. وفي الغرب، امتداد ساحلي خلاب، يمتد من بنغازي إلى طرابلس، بحر شاعر، لا علة فيه ولا تلوث. الجبل الغربي، جبل نفوسه، هضبة مرتفعة، جميلة الأجواء، يقطنها مزيج من العرب والبربر ترسم فسيفساء اجتماعية إثنية متجانسة تربط معزوفة التاريخ بتميمة الحاضر... ونحو الجنوب، تطالعك دنيا من الجمال والجلال وضرورة الامتداد، الامتداد الجغرافي والتاريخي والعرقي حيث يتداخل البربري بالعربي بالافريقي، في تماوج شفاف ومغر، تنداح قوارب الماضي والحاضر نحو الجنوب حتى تلتف حولك التلال والرمال، كلما تكتب سؤالاً، وتمد إجابته فوق ما كان وما يكون من صحائف التراب اليباب، حتى إذا طويت من الدنيا مفازات، وأصبحت الخطوات حالات، وقالت حبات التراب للمكان قولاً، وتلألأ الزمان متدفقاً رسماً ونحتاً في صفحات صخور جبال «أكاكوس» نطق الزمان بلغة الصخور، وتعالى الماضي بخوراً يريك ذاتك، ويفك من خلال النظرات مكنون الكلمات.
ومن الشرق إلى الغرب، من الشمال إلى الجنوب، يتعملق المكان الليبي عبقرياً ناطقاً وصامتاً، فليس كل المكان رقعة تراب أو ارتفاعاً من حجارة أو دغلاً أخضر يجيد كتابة اسمه. مكان ليبيا ومضة جغرافية مستعصية قدر ما هي جنونية، ليبيا هي التي تترجم لغة المكان بين افريقيا وأوروبا، ليبيا هي التي تربط مفاصل الوطن العربي بين مشرقه ومغاربه، ليبيا هي التي تنفخ الحياة في مفازات الصحراء الكبرى الأفريقية فتجعلها فجاج حياة، بحلوّها من المياه والنفط والمناجم، ومرّها من مهربي البشر ومقاتلي القاعدة مثلما كانت يوماً جسراً للقوافل، ومعبراً لتجار العبيد. ليبيا المكان العبقري الذي لا يستطيع قراءة حروفه التي عرفها هيرودوت، أولئك الذين نصّبوا أنفسهم كتبة للزمان والمكان.
ثالثاً: لوبي التاريخ: التاريخ ثروة في يد من يجيد قراءتها، ويفك شفرة خفاياها. مصر، مثلاً، يهز اسمها الدنيا منذ فرعون وقمبيز ونابليون وغيرهم، كذلك فلسطين والعراق وروما والصين والهند، وقد أبدع المرحوم العلاّمة الكبير إدوارد سعيد في كتابه «الاستشراق» عندما ترحّل مع مفكري الغرب ومؤرخيه إلى بقع مختلفة في الشرق وسجل ما دار في خلدهم وما ارتسم في يقين كتابهم وساستهم، ودور الموروث في ذلك. هل هناك من يعتقد، أن رؤساء أوروبا وحتى رئيس أميركا وغيره عندما كانوا يقلبون صفحات الأزمة الليبية لم تتداع لهم دفقات من صور لبدة وأعمدتها، وصورة الإمبراطور الروماني الليبي سبتيموس سوفيروس وهو يرفع شعلته بيده إلى أعلى معلناً سيطرته على مقدرات الدنيا. وأنا أذكر هوس الرئيس الفرنسي السابق بالفسيفساء التي زارها في سيلتين وقال عنها ما قال، لقد هام جاك شيراك بتلك التحفة النادرة.
أما عن صبراتة ومسرحها الذي لا يوجد له مثيل حتى في إيطاليا، فهي دنيا من الوجد والمجد تعمد معمر القذافي أن يحرم العالم منها.
وهل آتاك حديث طرابلس، التي احتوت أجمل ما أبدعت روما، واحتضنت عصور الصراع والوصال بين أوروبا وشمال أفريقيا، المدينة العثمانية التي يسميها الليبيون المدينة القديمة، هي قصبة العثمانيين التي ما زالت تتداول شهيق وزفير خمسة قرون حكم فيها الأتراك ليبيا، والصفحات لا تتسع للحديث عن الفينيقيين والمالطيين والطليان.
هناك أسطورة تكبر كل يوم، عكس بقية الأساطير، وهي جهاد الليبيين ضد الاستعمار الإيطالي خصوصاً في حقبة الفاشيين، هذه خريطة من خرائط كفاح الشعوب يعرف خطوط عرضها وطولها كل المثقفين وعشاق الحرية. ذاك زمان داخل الزمن، ودنيا تفرعت من الدنيا. التفّت الأيام بالأيام، وغازلت القرون ما تقدم منها وما لحق، حامت فوق ليبيا عهوداً وعقوداً، فكان الزمن بدايات وخواتم، وعرف الرجال الأوطان، وساح عبر مسارب الجغرافيا وطرقات التاريخ اسم بلاد قاومت وقاتلت، وغرست فوق أرضها أعمدة قدّت من شبح الزمان حتى تجسدت إرادة فوق الأرض، عرف الإنسان قيمتها فقرر أن يقاتل دفاعاً عنها، هي ليبيا.
لوبي الدم والحرية
عاشت السياسة الخارجية الأميركية ردحاً طويلاً من الزمن على مصنع فريد قلما عرفته دولة أخرى وهو مصنع «اللوبي»، أي «جماعات الضغط» التي تتكون من قوة برلمانية واقتصادية وإعلامية وأكاديمية أميركية تعمل على تعبئة دوائر صناعة القرار في الولايات المتحدة لخدمة أهداف دولة أجنبية، وهذه الصناعة لها شرعيتها وتعمل في العلن وبقوة قانونية.
هناك دائماً المصالح الاقتصادية والسياسية التي تسخر وسائل الإعلام وأجسام المجتمع المدني في صناعة «الصورة الذهنية»، فتجعل من تشاء ملاكاً، ومن تشاء شيطاناً. لكن هذه الآلة لا تعمل في الفراغ ولها وقودها الخاص، فقد جاهد القذافي طويلاً وضخ الأموال من أجل إقامة مجموعة ضغط أميركية تعيد إنتاج صورته، ولكن، هيهات لأي ساحر سياسي أو إعلامي أن يجعل الشيطان ملاكاً. لم تنجح أي شركة علاقات عامة من تلك التي أستأجرها سيف الإسلام معمر القذافي في تسويق صورة النظام الليبي أو قائده معمر القذافي، وبقيت صورة الإرهابي محفورة في العقل والضمير الأميركيين، ولم تبرح وسائل الإعلام الأميركية تصب نار الحرف والصورة على وقود الماضي القذافي الإرهابي لتشعل لهيب الغضب والكراهية له.
إثر انفجار ثورة الشباب الليبي في 17 شباط (فبراير)، وإعمال معمر القذافي آلته الحربية في أجساد الثائرين العزّل، عبأت وسائل الإعلام العالمية قوتها دفاعاً عن ثوار الحرية في ليبيا، وتسابقت منظمات المجتمع المدني في كل أصقاع الدنيا تدق ناقوس الكارثة، فليبيا ستكون رواندا أخرى، وبلقان شمال أفريقيا الدامي. وتنادت القوى الإنسانية تطالب المجتمع الدولي بغلّ يد الطاغية معمر القذافي كي لا يتمادى في مجزرته المرعبة ضد الليبيين.
خلق الثوار الشباب في ليبيا «قوة ضغط» غير مسبوقة، لم يكن ثمنها المال أو المصالح، ولم يكن هدفها انتزاع قرارات تسوق أو تخدم تكتيكات حكومة، كان الثمن هو الدم والهدف هو الحرية.
وصنع دم الثوار الشباب في ليبيا تحالفاً إنسانياً دولياً عاتياً عبأ الضمير البشري ضد جزار ليبيا معمر القذافي، بل إن هؤلاء الثوار أبدعوا توقيتاً غير مسبوق في إيقاع القرار الدولي، والفعل الدولي، واندفعت الأمم المتحدة في جهد سياسي وعسكري للدفاع عن ثورة الحرية في ليبيا بقوة السلاح، وكلفت حلف الناتو تكسير آلة القتل القذافية. وكان لوبي الدم والحرية، إضافة إلى مكونات الفعل السياسي والعسكري الدولي.
كانت صورة الشباب الثوار وهم يحملون أسلحتهم الخفيفة القديمة فوق سيارات التهمها الصدأ، يلبسون ثياباً تذكرنا بأسمال السكان الأصليين في أميركا اللاتينية، وهم يندفعون في شجاعة هستيرية لمواجهة كتائب القذافي ومرتزقته التي تدكهم بالصواريخ والراجمات والدبابات هاتفين بالحرية، كانت شجاعة رجال الصحافة الأجنبية حالة تماهت مع بطولة الشباب الليبيين، قام هؤلاء الصحافيون بنقل الوقائع والمشاعر، وفقد بعضهم حياته على أيدي كتائب القذافي، كل ذلك ساهم في تخليق «الحالة» الإنسانية الكونية التي كان وليدها هذا «اللوبي الدولي» السياسي والعسكري.
اكتشف الليبيون أن كنزهم الحقيقي ليس النفط، إنما هو هذا الجيل الثائر الذي انتزع حريته من قبضة الجلاد معمر القذافي بقوة الدم وليس بقوة السلاح فقط.
اللوبي الليبي الالكتروني
لم نفاجأ بانتفاضة الشباب الليبي ضد معمر القذافي بعد انفجار الجار والشقيق الغربي لليبيا (تونس) الذي قذف بالطاغية زين العابدين بن علي إلى خارج الحدود، هارباً مذموماً مدحوراً، ومن بعده الطوفان المصري الأسطوري الذي اجتث عروق الفرعون حسني مبارك. لم نفاجأ بأن تكون الثالثة ثابتة وهي الإعصار الليبي، بل الذي فاجأنا هو القوة العلمية والإعلامية الليبية في الخارج، فلم تكد عجلة الثورة تدور داخل ليبي، وتندفع آلة معمر القذافي العسكرية تقتل وتدمر، حتى امتلأت الدنيا بصوت الشباب الليبيين عبر كل وسائل الاتصال الحديثة، يقدمون للدنيا صورة مرئية ومسموعة ومكتوبة عن جرائم معمر القذافي، مسبوقة وملحوقة، بوثائق ومعلومات تفيض بقوة الإقناع والتأثير، ما جعل القادة السياسيين والإعلاميين ومكونات المجتمع المدني في جميع أنحاء العالم تتسابق على حشد كل أنواع الدعم لمعركة تحرير ليبيا. الجالية الليبية في الولايات المتحدة التي تعد بالآلاف، ومعظمها يمتاز بقدرات علمية، وإعلامية وسياسية، اندفع المثقفون والأساتذة الليبيون في الجامعات الأميركية وكذا الإعلاميون، يتحدثون في الإذاعات وينشرون المقالات على صفحات الجرائد، يلقون المحاضرات، ويرسلون الرسائل الإلكترونية الى الرئيس باراك اوباما وأعضاء الكونغرس وقادة الرأي، وهذا ما حدث أيضاً في أوروبا، وبقدر نسبي في بقية البلدان. كان الجيش الإعلامي السياسي الإلكتروني الليبي قوة مضافة إلى طلائع المواجهة مع نظام معمر القذافي. ولسخرية القدر أو عكسها نستطيع أن نقول إن معمر القذافي شخصياً وابنه سيف الإسلام قد ساهما في الجهد الإعلامي والنفسي الذي خدم الثوار، فلقد كان وعيد القذافي بحرق ليبيا وتحويلها إلى صحراء... واستشهاده بما فعله رئيس الصين الراحل ضد المدنيين في ميدان «تيان بن» وقصف الرئيس الروسي الراحل قصر الدوما (مجلس النواب) في موسكو، وكذلك قصف القوات الأميركية للفلوجة في العراق، كل ذلك وظفه الليبيون في رسائل إعلامية متقنة عبر وسائل الإعلام الحديثة.
صوت الضمير الرسمي
مباشرة، بعدما طفق معمر القذافي يسيّل شلالات الدم، اندفع الوطنيون الليبيون من أعضاء السلك الديبلوماسي في الخارج، يرفعون صوت الإدانة ضده، ويكشفون للعالم حقائق جرائم القذافي، يتحدثون من دون كلل إلى وسائل الإعلام، ويلتحمون مع شعبهم المناضل عبر التصريحات، ويعلنون تأييدهم للمجلس الانتقالي الوطني الذي تشكل بعفوية لإدارة شؤون المناطق التي حررها الثوار، ليكون الصوت الذي ينطق باسم قضية الوطن. وبعد أسابيع من انفجار ثورة التحرير تلاحق المد الوطني في الخارج، حيث أعلن الكثير من السفراء والديبلوماسيين تخليهم عن نظام القذافي وقرروا أنهم يعملون لمصلحة شعبهم ووطنهم، لحقهم في التبرؤ من نظام الإجرام في طرابلس مسؤولون من داخل النظام، في السلك المدني أو العسكري، فارتفعت الأصوات في الكثير من الدول، تردد صدقية الانتفاضة الليبية وأصالتها، وقال قائلون: «لقد دان مقربون من معمر القذافي، عملوا معه عقوداً، ما يقوم به ضد شعبه، وتخلى عنه رجال كانوا يُعدّون من أركان نظامه، فما بال البعض من الساسة في بعض الدول يبحثون أو يختلقون المبررات لهذا الطاغية بعدما شهد شهود ممن كانوا يعملون معه ومن حوله».
لم يبق صوت وطني له وزن يصدح بالدفاع عن معمر القذافي بعدما تلطخت  يداه بدماء الليبيين، وزمجر صوته مهدداً ومتوعداً الليبيين بالملاحقة والقتل، وجنّد آلاف المرتزقة ودسهم وسط كتائبه لقتل الليبيين، واستورد القناصة القتلة من كل مكان، ونصبهم فوق العمارات لخطف أرواح شباب ليبيا.
كان هذا «اللوبي» الوطني الليبي الديبلوماسي والعسكري والسياسي قوة إقناع وضغط على الضمير الإنساني، ساهم في نسج الجهد الدولي السياسي وبالتالي العسكري في وجه الطاغية.
هكذا ساهم الليبيون بدمهم وعلمهم ومواقفهم، وساهمت ليبيا بعبقرية مكانها وعملاق تاريخها في تأسيس حقائق فاعلة، وكتبت شهادة نهاية عصر الطغاة، وحرق حقبة الاستبداد الشرقي، وكان الناتو البندقية التي أطلقت من السماء طلقات الرحمة على جسد الطغيان، الذي سحقه شباب ليبيا بإرادة الحرية الأسطورية على الأرض.
ذاك هو الناتو وتلك هي ليبيا.
* مندوب ليبيا (المعارضة) لدى الأمم المتحدة
                         
                         

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق