الأحد، 10 يوليو، 2011

للأرقام أيضا دموعها


الأرقام في لغة الموت لها دلالات عميقة ترتكب جريمة فيلاحقك الرقم ومهما حاولت خداعه أو استرضاءه فسيخرج لك مجددا.
أين ابني يا معمر؟


محمد الأصفر: من المفارقات التي ينبغي أن نقف عندها طويلا ولا نتركها تمر هكذا دون تدبر، مفارقة مهمة جدا، لا يمكن أن نتخيّل حدوثها صدفة، وهي بناء النظام الديكتاتوري الليبي لمستشفى حديث تحت اسم مركز بنغازي الطبي يتسع لعدد 1200 سرير. وهذا العدد هو تقريبا عدد الشهداء الذين تم ذبحهم بدم بارد في صيف 1996 بسجن بوسليم بطرابلس والتي تحل ذكراهم الخامسة عشرة هذه الأيام.
مفارقة دراماتيكية يتم فيها قتل البشر، وبالمقابل يتم بناء مستشفى على عدد هؤلاء القتلى، لمداواة من يا ترى؟ أرواحهم التي تحلق ؟ أم أسرهم المكلومة والجريحة؟
ذا المستشفى الذي تم افتتاحه منذ سنتين أو ثلاث، وأحضر له طقم طبي فرنسي وجهز بأحدث المعدات الطبية يقع بالضبط في بداية طريق الهواري. الطريق الذي ينقلك مباشرة إلى مستشفى الأمراض النفسية، وإلى مكان شنق الشهيد عمر المختار بسلوق وإلى المقبرة العامة حيث مقابر الناس العاديين والشهداء. لعبة الأرقام هذه يجيد لعبها القذافي بذكاء ومكر ومولع بها إلى أبعد حد وسبق أن استخدمها عندما أسقط الطائرة الليبية بصاروخ في منطقة سيدي السايح عام 2002 حيث أسقطها في نفس يوم سقوط طائرة لوكربي، وأيضا قبل إسقاطها بمدة قام بتغيير أرقام الرحلات في منظومة الخطوط الجوية الليبية لتوافق أرقام رحلات شركة بان أميركا حتى يمنح الإيحاء للرأي العام بأن إسقاط الطائرة الليبية له علاقة بإسقاط طائرة لوكربي ومن هنا تعتبر القضية قد حلت أي طائرة بطائرة وينجو من الملاحقة.
لكن الغرب لديه قوته الخاصة التي استطاع بواسطتها أن يبدأ في القصاص منه عبر سجن المتهمين في حادثة إسقاط الطائرة وإدانة أحدهم والحصول على تعويضات باهظة تشعر الإنسان الليبي والعربي بالاشمئزاز ليس من الغرب أو أسر الضحايا التي قبضت هذه التعويضات إنما من القذافي وزمرته الديكتاتورية التي لا تمنح للمواطن الليبي أي ثمن سواء ماديا أو معنويا، وتعتبره رقما في مملكتها بل أفصح القذافي عن منزلة الإنسان الليبي في نفسه عبر اعتباره جرذا ومقملا.

الحاجة عازة فقدت ابنها في مذبحة بوسليم
وتأتي لغة الأرقام والتواريخ لتبرز من جديد، فيوم الاثنين الماضي 27 يونية 2011 وهو يوم قريب جدا من ذكرى مذبحة بوسليم التي تمت يوم 29 يونية 1996. حيث، وكإنصاف معنوي لهذه القضية الإنسانية، أصدرت محكمة الجنايات الدولية مذكرة قبض دولية في حق معمر القذافي وابنه سيف ومنفذ المذبحة عبر مرتزقته عبدالله السنوسي. وكثير من الناس تلوم المحكمة الجنائية لأنها لم تتحرك من أجل مذبحة بوسليم بالقبض على القذافي وعبدالله السنوسي من قبل، والسبب بالطبع سبب سياسي وأن الوقت لم يحن لهذا الأمر بسبب أن القذافي يمتلك عدة ملفات وعقد عدة تحالفات، لكن بعد أن أطاحت به ثورة الشباب فالآن سيخرج له التاريخ كل ملفات جرائمه القديمة في ليبيا وتشاد وأوغندا وشوارع أوروبا وأجواء سماء ربي. وستأتي الأيام القادمة سريعا ليسقط القذافي نهائيا في يوم ستكون له دلالة رمزية خاصة في مدونة الحياة والحرية.
انطلقت ثورة ليبيا في 17 فبراير 2011. وهذا اليوم أيضا يوم تاريخي وله علاقة بالأحداث الساخنة في ليبيا، ففي 17 فبراير/شباط 2006 انطلقت مسيرة من ضريح عمر المختار في يوم جمعة تحتج على ارتداء وزير إيطالي اسمه كالديروني قميص عليه رسومات مسيئة لرسول الله محمد صلى الله عليه وسلم.

مركز بنغازي الطبي يسع لـ 1200 سرير قريب من عدد ضحايا مذبحة بوسليم
هذه المسيرة انطلقت من نفس المكان الذي انطلقت منه مسيرات ثورة 17 فبراير وهو شارع عمرو بن العاص حيث القنصلية الإيطالية وتوقفت المسيرة، وهي مسيرة شرعية وبإذن من الدولة، أمام القنصلية تردد الهتافات وتقرأ البيان ووسط هذا الحماس قامت الشرطة برمي المتظاهرين بالرصاص الحي فقتلت حوالى 19 شابا ليبيا، ويومها لم تهدأ بنغازي وتنادى كل شبابها وكانت انتفاضة كبرى تم حرق القنصلية الايطالية وعدة مبان حكومية، وتم حصار مديرية الأمن وتم استباحة القنصلية لأكثر من أسبوع لكن الحكومة الليبية عالجت الموضوع سريعا بالمال ونقل المصابين للعلاج وبإنزال كتيبة أمنية تجوب شوارع البلاد وتقبض على كل من تم التقاط صورته من قبل جهاز الأمن الداخلي سيء السمعة.
ولو عدنا بهذا التاريخ 17 فبراير إلى الوراء لوجدناه موغلا في الألم ففي عام 1986 بمجمع سليمان الضراط الرياضي ببنغازي تم إعدام مجموعة من الشباب المسلم الملتزم الذين حاربوا المفسدين في الأرض من مليشيات اللجان الثورية الذين كانوا يطبقون مقولة التجارة ظاهرة استغلالية فيصادرون من الفلاحين شحنات الطماطم ويقومون بهرسها أمام أعينهم بواسطة الجرافات والبلدوزر. يدوسون عرقهم ويقتلون أرواحهم النباتية التي ربوها موسما كاملا على مرأى من أعينهم ويتم أيضا إهانتهم وضربهم، ومن يبدي مقاومة ولو بسيطة يتم نقله لمعسكر 7 أبريل أمام الجامعة حيث يعذب وقد يموت تحت التعذيب. لقد تم شنق هؤلاء الشباب الطيبين أمام الملأ وتم نقل عملية الشنق في التلفزيون مباشرة وشاهدنا للأسف الشديد أثناء تنفيذ الإعدام مناظر مخزية حيث يقوم بعض أعضاء وعضوات هذه اللجان بالتعلق في المشنوقين الشهداء من أجل جذبهم إلى أسفل أكثر وسط هتافات دموية تقول: "سير ولا تهتم .. انصفوهم بالدم"، "لا نرحم من خان .. شنقا في الميدان"، وغيرها من تفاهات عصر القذافي.

فرج الشراني أخ لثلاثة شهداء بمجزرة بوسليم
لقد نجا الديكتاتور القذافي من الرقم 17 مرتين:
المرة الأولى: 17 فبراير 1986 شنق شباب مسلم خلوق بمحاكمة صورية إرهابية.
المرة الثانية: 17 فبراير 2006 قتل حوالي 19 شابا من ضمن آلاف الشباب الذين نصروا رسولهم الكريم الطيب ولم يحتملوا إهانته.
لكن في المرة الثالثة لم تسلم الجرّة أيها الدكتاتور فقد تم اصطياد جرذك الموبوء وتخليص الحياة من آفاته ففي 17 فبراير2011 ثارت كل ليبيا وانتزعت من بين مخالبك وأنيابك الصدئة حريتها ورمت على نارك وبارودك وحديدك إرادة حق وشجاعة حولتها إلى هشيم خردة لقذارته ترفض النار أن تحرقه.
الأرقام في لغة الموت لها دلالات عميقة ترتكب جريمة فيلاحقك الرقم ومهما حاولت خداعه أو استرضاءه أو وضعه في عملية حسابية ناقص أو قسمة أو جمع أو ضرب أو جذر تربيعي، فسيخرج لك مجددا بعد أن يغسل دمه ويرتدي ثوب النور والثورة، وفي يده شعاع القصاص الذي سيطالك أينما كنت ليقول لك يا قاتل الروح وين تروح. وسيعرف أيضا أين أخفيت الجثث، في البحر، تحت خرسانة مسلحة، رفاة الشهداء لا بد أن تعود إلى ذويها وإلى شعبها الحر الذي أبدع ثورة قالت للظلام لقد استيقظنا وها هو فجرنا الذي بددك.
ستدخل هذه الأرقام إلى الحناجر وتتحول إلى أصوات وصرخات وآهات وموسيقى، في سجن بوسليم كانت صرخة أكثر من 1200 إنسان أثناء ذبحهم بصورة جماعية هي الأوبرا الحقيقية التي يتغني بها كل الفنانين الموهوبين، فالفنان يستطيع أن يجمع أكثر من 1200 صرخة متنوعة في حنجرته ويطلقها دفعة واحدة، صرخة حب وسلام في وجه الرصاص القادم نحو الأرواح الإنسانية.
أخي صرخ .. أخوك صرخ .. ابني صرخ .. ابنك صرخ .. أبي صرخ .. أبوك صرخ .. عمي صرخ .. عمك صرخ .. خالي صرخ.. خالك صرخ .. جدّي صرخ.. جدّك صرخ .. جاري صرخ.. جارك صرخ .. صديقي صرخ.. صديقك صرخ .. حبيبي صرخ.. حبيبك صرخ .. خطيبي صرخ.. خطيبك صرخ .. معلمي صرخ.. معلمك صرخ .. شيخي صرخ.. شيخك صرخ .. وطني صرخ.. وطنك صرخ .. والبنادق تفرغ الرصاص لإسكات تلك الصرخات. لكن مطرب الأوبرا يبعثها من جديد. تخرج من أعماق روحه عبر قلبه إلى نور العالم الممتلك لأزمان الحياة جميعها.
الموسيقى هي الأبجدية الحقيقية للصراخ.. حروفها لا تحصى.. كل صرخة تأتي بنغم جديد. النوتة الموسيقية التي تكتب لا تعبر عن إحساس النغم كما ينبغي. للصرخة مقامات.. درجات.. بحور وأوزان.. طعم ومذاق ولون ودرجة حرارة.. وملمس.. الصرخة حزمة أحاسيس متألمة ومستريحة.. في سجن بوسليم كانت أحاسيس الصرخة متألمة.. متألمة إلى أبعد حد.. ليس بسبب الجرح أو النار أو الحرق الذي تحدثه الذخيرة الحيّة في جسد الإنسان إنما متألمة من جبن الإنسان وضعفه وهشاشته وقذارته أيضا.
المصدر: ميدل ايست أونلاين


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق