الأربعاء، 8 يونيو، 2011

"العدالة السريعة"...وأخطاء "الربيع العربي"

ما الذي يمكن عمله مع ديكتاتور منتهي؟ هذا السؤال يمكن أن يجيب عليه أبطال الربيع العربي، الذين يكتشفون في الوقت الراهن، كما اكتشف الثوريون من قبلهم، إنه ليست ثمة خيارات جيدة فيما يتعلق بالتخلص من الرجال الأقوياء الذين طردوهم من مناصبهم.
حتى الآن جُربت أربعة من تلك الخيارات: الخيار الأول هو النفي. فبن علي، الرئيس التونسي المخلوع، التجأ إلى السعودية، ومعه كنز من الذهب -ربما.
الخيار الثاني هو العفو: فقد عُرض على الرئيس اليمني خيار الحصانة في مقابل الاستقالة، وهو ما قبله في البداية ثم تراجع عنه في اللحظة الأخيرة.
الخيار الثالث: وهو خيار المحاكمة الداخلية السريعة حيث من المقرر أن يمثل الرئيس المصري السابق أمام المحكمة هو ونجلاه في الثالث من أغسطس القادم.
والخيار الرابع: هو خيار العدالة الدولية حيث يواجه القذافي احتمال صدور إذن بالقبض عليه من المحكمة الجنائية الدولية.
على ما يبدو أن التونسيين يواجهون أكبر مشكلة في هذا الصدد حيث يفتقرون إلى أي طريقة لمحاكمة الرجل الذي قمعهم لمدة 23 سنة.. في الوقت الذي يمكن فيه لليبيين أن يطمئنوا أن القذافي سيسقط عما قريب، أو يواجه المحكمة. أما المصريون الذين لا يستطيعون أن يشعروا بالاطمئنان بأن الجنرالات والقضاة المتعاطفين لن يدعو مبارك يتقاعد في نهاية المطاف في فيلته المطلة على البحر في شرم الشيخ، فهم في نقطة وسط بين هذا وذاك.
وقد تكون الحقيقة عكس ما يبدو في الظاهر. فهناك من يعتقد أن التونسيين محظوظون لأن بن علي ليس موجوداً بين أيديهم، في الوقت الذي يبنون فيه نظاماً ديمقراطياً جديداً. وهناك أيضاً من يعتقد أن الليبيين قد دخلوا في حرب أهلية بسبب الاتهامات التي وجهتها المحكمة الجنائية الدولية للقذافي.
لا، ليس الأمر على هذا النحو: فهو ليس موقف مجموعات حقوق الإنسان الغربية - على الأقل - التي تثني على ملاحقة المحكمة الجنائية الدولية للقذافي، وتحث المحققين المصريين على المضي قدما، وتقترح أن يكون الرئيس السوري هو التالي.
ولكن تاريخ الثورة ضد الديكتاتوريات في أميركا اللاتينية، وأوروبا الشرقية، والشرق الأوسط نفسه يحكي لنا قصة مختلفة تماماً وهي: أنه كلما كان القصاص من الديكتاتور فورياً وحازماً كلما صارت الأمور أكثر سوءاً بالنسبة للنظام الذي يأتي بعد الثورة.
وسجلات التاريخ تقدم لنا نماذج تثبت ذلك. فقبل عقد الثمانينيات من القرن الماضي، كانت العادة هي فرار الطغاة إلى المنفى مع التمتع في الوقت نفسه بميزة الدخول على حساباتهم السرية في البنوك السويسرية(نموذج "بابي دوك" رئيس هايتي الذي تقاعد في فرنسا، وعيدي أمين رئيس أوغندا الذي تقاعد في السعودية). في تلك النماذج شعر أعداء الطغاة بالإحباط لفترة مؤقتة، ولكن الثورات التي قادوها مضت في طريقها من دون عائق. وهكذا فإننا نرى أن تونس على وجه الخصوص يمكن أن تؤدي بشكل أفضل من أي دولة أخرى حل عليها الربيع العربي.
وفي حقبة الثمانينيات أيضاً كانت دول أميركا اللاتينية رائدة في ابتكار الآلية المعروفة" بالحقيقة والتسوية"، وهي نموذج عبارة عن خليط من المحاكمة، والاعتذار عن الانتهاكات المرتكبة، يتلوه العفو عن الحكام السابقين. وعلى الرغم من أن هذه الآلية قد وفرت الاستقرار لبعض الوقت، فأنها أخفقت في النهاية ولجئت تلك الدول إلى محاكمة حكامها السابقين (بينوشيه في الأرجنتين) ولعل هذا تحديداً هو السبب الذي جعل الرئيس اليمني يتراجع في اللحظة الأخيرة قبل أن يصاب ويضطر للسفر للسعودية للعلاج، وقد يجد نفسه وقد أصبح منفياً أيضاً.
العفو المؤقت قد يبدو خياراً جيداً بالمقارنة بالسجل القبيح للعدالة السريعة للطغاة.( نموذج إعدام صدام حسين البشع والذي كان عاملا ًمن عوامل تأجيج الحرب الأهلية التي اندلعت في ذلك البلد أواخر عام 2006).
هناك من الأسباب ما قد يدعو للاعتقاد بأن المحاكمة السريعة لمبارك يمكن أن تفرز نتائج مماثلة، خصوصاً أن النظام القانوني المصري الذي يحتاج إلى إصلاح، والمجلس العسكري المؤقت، ليسا في وضع يسمح بإجراء تحقيق شامل ودقيق أو يضمنان محاكمة عادلة.. كما أن الحكم على مبارك يمكن أن يدفع البلاد إلى استقطاب حاد قبل أسابيع من الانتخابات البرلمانية المقرر عقدها في سبتمبر القادم، أي بعد تاريخ بدء المحاكمة بشهر. وفي هذه الحالة فإن المتطرفين سيكونون هم المستفيدون تماماً مثلما حدث في العراق.
على الرغم من ذلك، فإن مصر أقل تعرضاً للمخاطر من ليبيا حيث لدى القذافي دافع قوي للاستمرار في القتال حتى النهاية ( نهايته)، وهو ما يمكن أن يطيل أمد حرب كان من الممكن جداً أن تكون قصيرة. والاتهام الموجه له من المحكمة الجنائية الدولية، يعني أنه إذا ما استسلم فسوف ينتهي به الحال حبيسا في إحدى زنزانات المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، بدلاً من التمتع بمنفى مريح.
معلوم أن مجلس الأمن الدولي يمتلك سلطة تعليق إجراءات محكمة العدل الدولية، وأنه قد يقوم بذلك بالفعل إذا ما قبل القذافي التنازل عن الحكم.
 (مع ذلك لا أحد هنا يريد الاعتراف بأنه كان من الخطأ إحالة قضية القذافي إلى المحكمة المذكورة في شهر فبراير الماضي أي قبل التدخل العسكري الغربي في ليبيا بأسابيع قليلة).
مع ذلك، لم تكن هناك عجلة فيما يتعلق بتوجيه اهتمام المحكمة الجنائية الدولية إلى سوريا على الرغم من حقيقة أن نظام الأسد قد ذبح من أفراد شعبه من المدنيين عدداً يفوق العدد الذي كان القذافي قد ذبحه قبل أن يتم استدعاء المحكمة الجنائية الدولية. والأسد سيكون بحاجة إلى توفير مكان يذهب إليه خارج سوريا إذا ما قرر التنازل عن منصبه بشكل سلمي - أو قد يوافق على الدخول في مفاوضات من أجل صفقة تضمن له الحصول على الحصانة.
وفي الحقيقة أن إفساح مجال لخيار دون آخر من الخيارات السابقة، سوف يكون وسيلة جيدة من ضمن وسائل التعلم من أخطاء الربيع العربي.
(*) ينشر بترتيب خاص مع خدمة "واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس"
المصدر: جريدة الإتحاد


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق