الأحد، 1 مايو، 2011

ممرضة القذافي تروي قصتها مع الدكتاتور

كنت أفحص قلب الطاغية وأعيش حياة مترفة ولكن مع بدء الثورة أدركت حجم التكلفة
 اوكسانا بالينسكايا*: كنت في الحادية والعشرين من عمري عندما ذهبت للعمل عند معمر القذافي، وأنا من نشأة أوكرانية، مثل باقي الشابات اللواتي يوظفهن القذافي للعمل ممرضات.

لم أكن أعرف كلمة واحدة من اللغة العربية يومها، ولم أكن أميز حتى الفرق بين ليبيا ولبنان. إلا أن "بابيك"، كما كنا نسميه تودداً وهي كلمة روسية تعني "الوالد الصغير"، كان شديد الكرم معنا. فقد حصلت على كل ما يمكنني أن أحلم به: شقة مؤثثة بغرفتي نوم، وسائق شخصي يحضر لحظة أطلبه. إلا أن شقتي كانت ممتلئة بوسائل المراقبة والتنصت بشكل مزعج، وحياتي الشخصية مرصودة عن كثب.

 خلال الأشهر الثلاثة الاولى لم يكن يسمح لي بالذهاب الى القصر، وأعتقد أن بابيك كان يخشى إثارة غيرة زوجته صفية، ولكني سرعان ما صرت أذهب لتفقد وضعه الصحي بشكل منتظم. كان واجب الممرضات هو التأكد من الحفاظ على مستخدمنا في ذروة الصحة والحيوية. والحقيقة أن معدل دقات قلب القذافي وضغط دمه يبدوان وكأنهما لرجل أصغر سناً بكثير، وكنا نلح عليه أن يرتدي القفازات كلما ذهب في زيارة لدولتي تشاد ومالي لحمايته من أمراض المناطق الاستوائية. كما كنا نحرص على مزاولته المشي يوميا في المماشي المحيطة بقصره، وأن يأخذ اللقاحات والتطعيمات الخاصة، ويفحص ضغط دمه في الأوقات المحددة.

 كانت الصحافة الاوكرانية تطلق علينا تسمية "حريم القذافي"، وهذا محض هراء، إذ لم تكن أية واحدة منا، نحن الممرضات، عشيقة له أبداً. والحالة الوحيدة التي كنا نلمسه فيها هي عندما نقيس له ضغط الدم. والحق أن بابيك أشد تكتماً بكثير من صديقه زير النساء سيلفيو بيرلسكوني. وقد اختار القذافي توظيف النساء الاوكرانيات الجميلات فقط، والسبب على الأغلب هو مظهرنا الجذاب، فالقذافي يحب ان يحيط نفسه بأجمل الأشياء والناس. وقد وقع اختياره علي مباشرة من بين صف من المرشحات الأخريات للعمل عنده بعد أن صافحني ونظر في عيني مباشرة. ثم علمت فيما بعد أنه يتخذ جميع قراراته المتعلقة بالناس من خلال المصافحة الأولى معهم، فهو شخص ذو نظرة في الناس.

 ولبابيك أطوار غريبة، فهو- مثلاً -يحب الاستماع إلى الموسيقى العربية من خلال مسجل كاسيت قديم الطراز. ومن عادته أن يغير ملابسه عدة مرات في اليوم الواحد، فقد كان شديد الهوس بأزيائه إلى حد يذكرني بمشاهير موسيقى الروك في عقد الثمانينيات. وفي بعض الأحيان، وبينما ضيوفه في انتظاره، كان يعود إلى غرفته ليبدل ملابسه مرة أخرى، وربما ارتدى هذه المرة بذلته البيضاء التي يحبها. وعندما كنا نقوم بجولة بالسيارات في الدول الأفريقية الفقيرة، كان يرمي بالنقود والحلوى من نافذة سيارته الليموزين المصفحة للأطفال الذين يجرون خلف موكبنا، فهو لم يكن يريد لهم أن يقتربوا منا خشية ان تصيبه الأمراض. والقذافي لا ينام في خيمة مطلقاً! تلك مجرد خرافة، وهو لا يستخدم الخيمة إلا لإجراء المقابلات الرسمية فقط.

 كنا نسافر وسط مظاهر الأبهة، وقد رافقت بابيك في رحلاته إلى الولايات المتحدة وإيطاليا والبرتغال وفنزويلا. وعندما يكون في مزاج رائق كان يسألنا إن كنا نحظى بكل ما نحتاج إليه، ثم يغدق علينا مكافآت مالية إضافية لكي نخرج للتسوّق. وكان من عادة بابيك أن يهدي جميع موظفيه كل عام ساعات ذهبية تحمل صورته الشخصية. ومجرد إظهار تلك الساعة في ليبيا كان كفيلاً بفتح أي باب، وحل أية مشكلة تواجهنا.

 ولكن انطباعاً كان يتولد لدي بأن نصف سكان ليبيا على الأقل يمقتون القذافي. وكان الملاك الطبي المحلي ينظر إلينا بعين الحسد لأن رواتبنا تفوق ما يكسبونه بثلاث مرات، حيث أننا كنا نتقاضى أكثر من ثلاثة الاف دولار شهرياً. وكان من الجلي أن بابيك هو الذي يتخذ جميع القرارات في بلاده. فهو مثل ستالين، له وحده السلطة والبذخ كاملين، كل شيء له وحده دون غيره. وعندما شاهدت لأول مرة صور الثورة المصرية في التلفزيون قلت لنفسي أن أحداً لن يجرؤ أبداً على معارضة والدنا الصغير. ولكن التفاعل التسلسلي للأحداث استمر بعد تونس ومصر. ولو كان بابيك قد تخلى عن عرشه لولده سيف الإسلام عندما كانت الفرصة في يده فإني أعتقد أن كل شيء كان سيمضي على ما يرام، وما كان الناس يتعرضون للموت اليوم.

 أنا خرجت من طرابلس في بداية شباط الماضي، وكان خروجاً في وقته المناسب تماماً، وبقيت اثنتان من صديقاتي هناك فلم يعد بإمكانهن المغادرة الآن. أما أنا فقد كان عندي سبب خاص جداً يدفعني للمغادرة، ذلك أني كنت حاملاً في الشهر الرابع وبدأت علامات الحمل تظهر علي، وخشيت أن يستاء بابيك من اتخاذي صديقاً صربي الجنسية.

 ربما لن يغفر لي بابيك أني تخليت عنه، ولكني كنت أعلم أني أفعل الصواب عندما قررت ترك ليبيا. فجميع أصدقائي نصحوني بوجوب التفكير بطفلي المقبل والخروج، وها هم اليوم أقرب شركاء بابيك ينبذونه ويتخلون عنه أيضاً. وهو يجبر أبناءه وزميلتي الأوكرانيتين على البقاء بجانبه والموت معه.


 * المقالة نقلتها انا نيمستوفا مراسلة نيوزويك عن لسان اوكسانا في موجيلنويا، اوكرانيا.


 المصدر صحيفة الصباح العراقية/مجلة نيوزويك

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق