الثلاثاء، 31 مايو، 2011

أموال القذافي المجمّدة... هل يستفيد منها الثوار في ليبيا؟

ألكسندر نوباتشر، يورغ شميت، وتوماس شولز: كان الغرب يأمل استخدام أصول مجمّدة للدكتاتور الليبي معمر القذافي وعائلته في دعم الثوار. لكن، تبيّن أن هذه العملية معقّدة. نتيجة لذلك، وقعت واشنطن وأوروبا في مأزق محرج. {شبيغل} تلقي الضوء على هذه القضية.

تلقى المصرف الألماني Commerzbank حوالة غير اعتيادية في أواخر شهر فبراير الفائت. بلغت قيمة المبلغ 1.9 مليون يورو (2.7 مليون دولار). وطُلب من المصرف تحويل المال فوراً من حساب في Commerzbank إلى حساب أجنبي في مصرف آخر.
كان صاحب الحساب في Commerzbank سيف العرب القذافي المولود عام 1982، وهو الإبن الأصغر للرئيس الليبي معمر القذافي. لكن ابن هذا الديكتاتور، الذي كان يعيش في منطقة والدبيرلاخ في ميونخ، عاد فجأة من ألمانيا إلى طرابلس. ولا شك في أن هذه خسارة كبيرة لأعضاء مجتمع ميونخ الأثرياء الذين اعتادوا حضور حفلات القذافي الصاخبة.
تردد Commerzbank في تحويل الأموال وأخطر السلطات. فأمر وزير الاقتصاد الألماني، الذي يتمتع بصلاحيات في هذا المجال بموجب قانون التجارة الخارجية، بتجميد الحساب، مؤكداً ضرورة منع ابن القذافي من إخراج هذا المبلغ من البلاد. نتيجة لذلك، لا تزال هذه الأموال في Commerzbank، حيث تتراكم فائدتها بمرور الوقت.
وسمت هذه الخطوة قبل بضعة أسابيع بداية بحث عالمية عن كنز قيّم. ففي مختلف أنحاء العالم الغربي، يحاول المحققون اليوم تقفّي أثر ما جنته وكدّسته أسرة القذافي من أموال النفط خلال العقود الماضية. ولا تقتصر هذه العملية على آل القذافي. فقد تحوّلت إلى جهود عالمية هدفها الكشف عن الاحتياطات المخبأة التي يملكها عدد من الحكام الآخرين.
مشاكل كبيرة
سبق أن جمدت الولايات المتحدة أصول نظام القذافي التي فاقت الستين مليار دولار (42 مليار يورو)، منها 32 ملياراً في الولايات المتحدة، ما يُقارب العشرين ملياراً في بريطانيا العظمى، و1.7 مليار دولار في النمسا. أما قيمة الأموال الليبية في المصارف الألمانية، فوصلت إلى نحو 9 مليارات دولار.
لكن مع تواصل البحث عن مليارات القذافي، لم يتّضح بعد ما سيحلّ بالأصول التي جُمّدت. فقد نشأت مشاكل كثيرة ترتبط بمحاولة حرمان آل القذافي من ثروتهم.
لا شكّ في أن الساعين وراء الثروات سيواجهون معضلة كبيرة، خصوصاً بعدما اتضحت العلاقات الوثيقة التي جمعت القذافي بالدول الغربية. علاوة على ذلك، لم يجنِ الأخير هذه الأموال من عمليات احتيال مباشرة، بل تشكّل هذه الأرباح السنوية لأعماله العادية.
أمل كثيرون في ألمانيا باستخدام أصول القذافي لدعم الثوار في شرق ليبيا وتسديد كلفة المساعدات الإنسانية التي تُقدّم للضحايا. فكان من المفترض هزم رعاع طرابلس باستخدام أموالهم. بدت هذه الفكرة ممتازة، كما استخلصت مجموعة الاتصال الليبية خلال اجتماع عُقد قبل أيام.
أعلنت هذه المجموعة المؤلفة من وزراء خارجية 20 بلداً على الأقل، بمن فيهم وزير الخارجية الألماني غويدو ويسترويل، أنها ستنشئ صندوقاً خاصاً بالثوار. ولوهلة، بدت السياسات العالمية بسيطة وواضحة.
موقف حرج
اكتشف اليوم المعنيون بهذه المسألة أنها أكثر تعقيداً مما كانوا يظنّون. ففي عملية تقييم داخلية، استخلص الخبراء الحكوميون الألمان أن القذافي يتمتع بحماية دستورية لممتلكاته، على الأقل خلال الفترة التي يبقى فيها ممسكاً بزمام السلطة في بلده. صحيح أن الحكومة الألمانية تستطيع تجميد حسابه، ولكن لا يحق لها سحب الأموال منه. فهي ملك لنظام القذافي حتى إشعار آخر.
يوضح الخبراء الحكوميون الألمان أن مصادرة أموال القذافي تتطلّب موافقة القانون الدولي، وهذا بالتأكيد مستبعد. فقد أكّدت روسيا والصين أنهما لن تدعما قراراً إضافياً مناهضاً للقذافي في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.
إذاً، وضع الغرب نفسه في موقف حرج. فهو لا يملك الأموال التي وعد بها الثوار كي يمولوا نضالهم في سبيل الحرية. ولا عجب في أن يصبح الجو العام داخل المعسكر الألماني قاتماً. فبعدما امتنعت ألمانيا عن التصويت على تنفيذ عملية عسكرية ضد القذافي في مجلس الأمن، أرادت أن تبرهن عن مدى التزامها بالقضية الليبية و{تؤمن الأصول المجمدة للشعب الليبي كي يستخدمها في أقرب وقت ممكن}، وفق ما جاء في تقرير وزارة الاقتصاد.
تشمل هذه العملية مبالغ ضخمة. فقد كشفت مراجعة قدمتها الحكومة الألمانية أن حساب القذافي في المصرف المركزي الألماني (Bundesbank) وصل إلى 1.96 مليار يورو. أما سائر الأموال فموزّعة على مئتي حساب تقريباً في أكثر من 13 مؤسسة مالية أخرى.
بعض الحسابات مسجّل باسم المصرف المركزي الليبي، في حين تعود حسابات أخرى إلى البنك الأجنبي الليبي أو سلطة الاستثمار الليبية، صندوق الثروة السيادية الرسمي في البلد.
فضلاً عن ذلك، يحمل عدد من الحسابات اسم معمر القذافي نفسه، في حين تعود أخرى إلى أحد أبنائه. فُتح معظم هذه الحسابات بالدولار الأميركي، غير أن الألمان استخدموا سعر الصرف في مطلع شهر أبريل الفائت لتحويله إلى يورو.
ملاحقة الحكام المستبدّين
تملك زوجة القذافي صفية فركاش أيضاً حساباً كاد المحققون يغفلون عنه بسبب تفاوت في كتابة الإسم. إلا أن هذا الحساب لم يكن يحتوي على مبالغ طائلة، وما كانت الخسائر لتكون فادحة.
عُثر على غنيمة مفاجئة أخرى على متن {سلومان بروفايدر}، سفينة تشغّلها شركة شحن في مرفأ بريمن في شمال ألمانيا. كانت السفينة متّجهة إلى طرابلس في مطلع شهر مارس الفائت وعلى متنها أوراق مالية تفوق قيمتها المئة مليون يورو أصدرتها شركة طباعة في بريطانيا العظمى.
يبدو الثوار الليبيون بأمسّ الحاجة إلى هذا المال. فقبل أيام، قدِم ممثلهم محمود جبريل إلى واشنطن ليطلب الدعم. يوضح جبريل: {نواجه أزمة حقيقية. فقد بدأ المال ينفد}. ويحتاج الثوار إلى نحو ثلاثة مليارات دولار خلال الأشهر الستة التالية، وفق جبريل. ومن الضروري تأمين هذا المال بسرعة {وإلا سيفوت الأوان}.
تودّ واشنطن مساعدة الثوار الليبيين، غير أنها تريد أولاً إرساء أساس قانوني إضافي لهذا الدعم. فقد قرر الرئيس باراك أوباما عدم المضي قدماً في وضع يده على أصول القذافي من دون دعم دول أخرى، مع أن ذلك ممكن بموجب القانون الأميركي. كذلك، يرغب أوباما في أن يتخذ الكونغرس قراره في هذه المسألة.
آمال إنسانيّة
أعلنت وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون عن اقتراح يقضي بتعديل القانون بطريقة تسمح للحكومة الأميركية بوضع يدها على جزء من ثروة القذافي (نحو 150 مليون دولار) وتخصيصها لأغراض إنسانية في ليبيا. ستُشَكّل لجنة للحرص على استعمال هذه الأموال بطريقة صائبة،. ولكن قد تمر أسابيع أو حتى أشهر قبل أن يصوّت المشرّعون الأميركيون على هذا التدبير. لكن بخلاف ألمانيا، تشكّل الأموال المودعة في حسابات مصرفية جزءاً صغيراً من الأصول المجمّدة في الولايات المتحدة. يتألف معظم أصول القذافي في هذا البلد من حصص في شركات وعقارات من الصعب تصفيتها وتحويلها إلى مال نقدي.
نتيجة لذلك، سهُل في الولايات المتحدة تجميد ثروة القذافي، غير أن من الصعب مصادرتها، حسبما يشير ستيوارت ليفي، الذي كان قبل فترة ليس ببعيدة وكيل وزارة الخزانة الأميركية لشؤون الإرهاب والاستخبارات المالية وأحد المسؤولين عن تجميد أصول القذافي.
يوضح ليفي أن على الولايات المتحدة التنبّه جيداً الى الرسالة التي تبعث بها بمصادرتها الأصول. ويضيف: {إذا بدت الولايات المتحدة أكثر استعداداً لمصادرة أصول القذافي، مقارنة بالبلدان الأخرى، وإذا وضعت يدها على أصول دول أخرى في ظروف لا تُعتبر قصوى حقاً، تحوّلت هذه الخطوة إلى عامل تأخذه المصارف المركزية وصناديق الثروات السيادية الأجنبية في الاعتبار عند تحديد الأماكن التي تستثمر فيها}.
قبل وقت ليس ببعيد، كان خصوم القذافي اليوم يعاملونه بفائق الاحترام. فراحت مصارف لندن وفرانكفورت ونيويورك تتنافس في ما بينها للفوز بامتياز استثمار عائدات نفط هذا الديكتاتور التي تبلغ المليارات.
واجه ابن القذافي، سيف العرب، الذي قُتل أخيراً، مشاكل مستمرة مع القانون خلال إقامته في ميونخ. فقد ارتكب جرائم متنوّعة، منها الإيذاء الكيدي، انتهاك قانون ضبط الأسلحة الألماني، التهرّب من الضرائب، التشهير، والقيادة وهو ثمل. ولكن ما من دليل على أن المصارف تجنّبت التعامل معه نتيجة سلوكه هذا. ولا عجب في ذلك. فكان سيف العرب ينفق كل شهر 300 ألف يورو اعتاد والده إرسالها له.
مكاسب غير مشروعة
يُسلَّط الضوء راهناً على العلاقة اللصيقة التي جمعت الغرب بعدد من الحكام المريبين. فقد استهدفت الحركات الموالية للديمقراطية في شمال أفريقيا والشرق الأوسط سلسلة من الحكام المستبدين الذين رحّب بهم الاتحاد الأوروبي بذراعين مفتوحتين.
سلب الرئيس المصري المخلوع، حسني مبارك، وأفراد عائلته البلد نحو 70 مليار دولار. وما زال مصير الجزء الأكبر من هذا المال مجهولاً، مع أن من الواضح أنه أُخرج من مصر بمساعدة مصارف دولية. كذلك، يُعتقد أن الرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي جنى الكثير من المكاسب غير المشروعة خلال فترة حكمه.
وقبل بضعة أسابيع، تحوّل انتباه المحققين إلى سورية. فقد أصدر الاتحاد الأوروبي لائحة بأسماء 13 شخصاً جُمدت حساباتهم فوراً. ومن هذه الأسماء رئيس جهاز الاستخبارات السوري، وزير الداخلية، رجل أعمال، وعضو في وحدة ميليشياوية يُعتقد أنه شارك في أعمال عنف ضد الشعب السوري. طاولت عقوبات الاتحاد الأوروبي أيضاً ماهر الأسد، شقيق الرئيس بشار الأسد، المولود في 8 ديسمبر عام 1967 والحامل جواز سفر ديبلوماسياً رقمه 4138.
واللافت أن الجولة الأولى من العقوبات استثنت الرئيس بشار الأسد. يعلّل مسؤولو الاتحاد الأوروبي هذا القرار بقولهم إنهم أرادوا منحه فرصة ليتفاعل مع هذا الوضع المستجد. لكن هذه الخطوة أتاحت للأسد سحب أي أموال كان قد وضعها في حسابات مصرفية خارج البلاد. ويعود الفضل في ذلك إلى دبلوماسية بروكسل.
الاتحاد الأوروبي وسويسرا
طالما اعتبر الحكام المستبدون الاتحاد الأوروبي مكاناً أفضل من سويسرا لاستثمار أموالهم. فقد بدأ الحكام المستبدون في السنوات الأخيرة يواجهون الكثير من الصعاب في زيوريخ، التي كانت في ما مضى جنة مصرفية. وعانى السويسريون عواقب وخيمة بسبب الفضائح المرتبطة بالحسابات المصرفية السرية للديكتاتور الهايتي السابق جان-كلود دوفاليه والحاكم الفلبيني المستبد فرديناند ماركوس.
نتيجة لذلك، صار كل مصرف سويسري يملك لائحة بمن يُعتبرون {أشخاصاً معرّضين لمخاطر سياسية عالية}. تقدّم هذه اللائحة معلومات مفصّلة عن حكام العالم المستبدين والمحيطين بهم. وتُحَدَّث هذه اللائحة باستمرار. كذلك، على المصارف السويسرية أن تتحرى عن خلفية عملائها الجدد بغية تحديد علاقاتهم المحتملة. ويلزم أيضاً التحقق دوماً من حساباتهم القائمة.
على كل شخص يرد اسمه في هذه اللائحة أن يقدّم أدلة على أن المال الذي يودّ استثماره في سويسرا لم يُكتسب بأساليب غير مشروعة. وإذا راودت المصرف أي شكوك، فعليه أن يبلّغ إدارة المصرف بذلك. حتى أنه قد يُضطر أحياناً إلى وقف تعامله مع هذا الشخص. واللافت في هذا المجال ما حدث مع مصرف Credit Suisse، الذي لم يقم بواجبه على أكمل وجه في تعامله مع الديكتاتور النيجيري السابق ساني أباشا، ما عرّضه لمصاعب عدة.
يذكر كريستوف مولر، محام يعمل محققاً خاصاً ضد أباشا في إمارة ليختنشتاين: {تتابع المصارف السويسرية أخبار الحكام المستبدين وأعوانهم. وتتحقق بدقة ومسبقاً مما إذا كانت أموالهم مستمدة من فسادهم}.
ويعلل هذا الواقع صغر المبالغ التي يُعتقد أن الحكام المستبدين في شمال أفريقيا استثمروها في سويسرا. فلم تكتشف السلطات إلا 410 ملايين فرنك سويسري (463 مليون دولار) مودعة في المصارف السويسرية باسم حسني مبارك ونحو 60 مليون باسم زين العابدين بن علي.
كذلك، يملك القذافي 310 ملايين فرنك فقط في حساباته السويسرية، ما يشكّل جزءاً ضئيلاً من المال الذي استثمره في الاتحاد الأوروبي.
المصدر: موقع الجريدة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق