الأحد، 15 مايو، 2011

ليبيون يتشاطرون الخوف والحرية

محمد حميد الصواف: في الوقت الذي لا تزال المعارك تحتدم في ليبيا بين الثوار ونظام القذافي، تبلورت العديد من المشاهد الفطرية في المجتمع الليبي اثر ما يحدث، فيما تتباين تلك المشاهد ما بين مدينة وأخرى، او الأحرى ما بين المناطق المحررة ونظيراتها التي لت تزال تحت هيمنة أعوان القذافي وكتائبه القمعية.

حيث تختلط مشاعر الرعب والخوف لدى البعض مما تخبأه الأقدار لهم مع اقتراب نهاية القذافي، سيما في مناطقهم الخاضعة لنفوذه، وهم يستشعرون الأخير في مواجهة مصيره المحتوم، واتخاذه لهم كدروع بشرية ضد هجمات الناتو.
فيما تلاحظ مظاهر الانفتاح والحرية على سلوك المدنيين في المناطق المحررة، التي شهدت رواجا فكريا وثقافيا غير مسبوق، بعد عقود من الديكتاتورية والانغلاق.

الخوف من القمع والتجنيد
فقد زينت الاعلام الخضراء وصور الزعيم الليبي معمر القذافي أحد أحياء طرابلس نظمت فيه احتجاجات نحو قبل شهرين.. وأصبح حديث الناس على جوانب الطرق همسا في حين تراقب سيارات لا تحمل لوحات معدنية الناس في الشوارع.
وبات الخوف سمة بارزة في شوارع طرابلس اذ يخشى السكان التحدث علانية ويخشون التجنيد بالجيش في الوقت الذي تضرب فيه قوات حلف شمال الاطلسي قوات الزعيم الليبي القذافي بينما يستعر القتال في مصراتة ومنطقة الجبل الغربي.
وبعد أكثر من شهرين من انطلاق انتفاضة شعبية ضد حكم القذافي المستمر منذ 41 عاما سيطر خلالها مقاتلو المعارضة على الجزء الشرقي من ليبيا تمكنت القوات الحكومية من القضاء على المعارضة في العاصمة كما أن حملتها ضد المعارضين في أماكن أخرى في غرب البلاد تنشر الخوف بين الناس.

وقال صاحب متجر "ما من أحد يريده. لو لم يكن سكان طرابلس خائفين جدا لثاروا ضده. فعلوا هذا في فبراير في تاجوراء.. في فشلوم.. في سوق الجمعة.. لكنه قضى عليهم" وغير موضوع الحديث بسرعة عندما دخل زبون المتجر.

وفي حي فشلوم توجد خيمة تحيط بها صورة كبيرة للقذافي على بعد أمتار قليلة من مقر محترق للمجلس الثوري المحلي أضرمت النار فيه خلال الاضطرابات التي انتشرت لفترة قصيرة في أواخر فبراير شباط وأوائل مارس اذار قبل أن يتم اخمادها.
وتتراكم القمامة في الازقة غير المرصوفة وغير الممهدة قبالة الشارع الرئيسي حتى في هذا البلد المصدر للنفط والذي يملك ما يكفي من المال لتوفير البنية الاساسية لسكان البلاد البالغ عددهم سبعة ملايين نسمة.

ويقول سكان طرابلس ان نشطاء يشنون هجمات ليلية متقطعة على قوات القذافي ويعقدون تجمعات بعد حلول الليل في مناطق للمعارضة لكن أغلب الناس يشعرون بخوف بالغ لدرجة تحول دون قيامهم بأي خطوة بعد ما يعتقد الناس أنها حملة اعتقالات جماعية. ومن شبه المستحيل التحقق من مزاعم القيام باعتقالات. بحسب رويترز.
وقطعت الحكومة اتصالات الانترنت في أنحاء طرابلس باستثناء الفنادق الخاضعة لمراقبة مشددة والتي تستضيف صحفيين أجانب مما يجعل من الصعب على النشطاء الشبان تنظيم احتجاجات أو نشر لقطات أو صور لتجمعاتهم أو هجماتهم على الانترنت. والتجمع الوحيد المسموح به هو صلاة الجمعة وهي أيضا تراقب عن كثب.
ويعتقد الليبيون على نطاق واسع أن الحكومة تتنصت على مكالماتهم الهاتفية. ولا ترسل الهواتف المحمولة رسائل نصية قصيرة والطريقة الوحيدة للتحدث بحرية هي مقابلة الشخص الذي تريد التحدث معه. ومع انتشار الوشاة في كل مكان فان احتمال التعرض للمراقبة أو الرصد كبير للغاية.

ومحظور على الصحفيين الاجانب الذين يخضعون لرقابة مشددة من الحكومة أن يزوروا وحدهم مناطق المعارضين كما يصعب اجراء مقابلات مع السكان بحرية. ولن يتحدث كثيرون مع وجود المخبرين الحكوميين وسياراتهم ذات الدفع الرباعي والتي عادة ما لا تحمل لوحات معدنية مما يثير مخاوف.
وقال أحد سكان طرابلس انه جرى ابلاغ الاسر بأن الجيش ربما يستدعي الرجال الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و40 عاما للقتال. وقال أحد السكان ان الجيش لم يفرض التجنيد الالزامي حتى الان لكن بعض الاسر تفكر بالفعل في ارسال أبنائها للخارج.
وقال الساكن الذي كان يتلفت حوله خشية وجود متنصتين "هناك بالفعل متطوعون وبعضهم موجود على الجبهة. هذا أمر مختلف. الناس خائفون. أعرف رجلا سينقل ولده الى تونس."

وتابع "الناس يرون أن زمن هذا الرجل انتهى. يريدون منه فقط أن يرحل وأن يجنبهم الحرب. اذا رحل فستتوقف ضربات حلف شمال الاطلسي .. لماذا هو باق اذا.. الاوضاع تزداد صعوبة على الناس. الاسعار ترتفع."

وفي أنحاء طرابلس بدأ الاقتصاد يعاني من التباطؤ. وتوقف العمل في مسجد ذي قبة ذهبية في قلب المدينة وسكنت الرافعات التي كانت تعمل يوما بهمة خلال مرحلة انتعاش البناء في المدينة.

وفر المستثمرون الاجانب وكذلك العمال الاجانب الذين كانت تعتمد عليهم المخابز والمطاعم والفنادق. وغادر البلاد العاملون الاتراك بفندق ريكسوس الذي يقيم فيه الصحفيون الاجانب.
ومنذ أسابيع ظهرت صفوف طويلة أمام محطات الوقود في الوقت الذي بدأ السكان يشعرون فيه بأثر العقوبات التي يفرضها حلف شمال الاطلسي. ولم يعد هناك أي من وسائل النقل العامة في طرابلس وبدأت التوترات تظهر اذ لم يعد الناس قادرين على الوصول الى أماكن عملهم أو اصطحاب أولادهم للمدارس.

وفي الحي القديم في طرابلس أغلق مطعم (الاثار) الشهير الذي يطل على مجموعة من الاثار وأصبح صاحبه يجلس مع الاصدقاء خارج الازقة ذات الارضية الحجرية والتي كانت تجذب السائحين في السابق.

وقال محمد شمس صاحب المطعم "كان لدينا 40 عاملا ورحلوا. لم يبق سوى أربعة لذلك لم يعد بامكاننا الاستمرار. لدينا ثلاثة مطاعم واحد فقط منها مفتوح."
وفي مطعمه المفتوح توجد مائدتان فقط مشغولتين وقت الغداء احداهما يجلس عليها أطباء أجانب والاخرى يشغلها صحفيون أجانب أيضا.

وتقول حكومة طرابلس ان ليبيا تحتاج الانتقال الى نظام أكثر شفافية. وتقول ان الاقالة المفاجئة للقذافي ستحول ليبيا الى عراق اخر أو صومال اخر.

وقال موسى ابراهيم وهو المتحدث باسم الحكومة الليبية انه سيكون هناك دمار وعدم استقرار لسنوات وسنوات دون وجود الشفافية أو احترام حقوق الانسان. وتساور تلك المخاوف الكثير من الليبيين بغض النظر عما اذا كانوا يؤيدون القذافي أم لا.
وقال الساكن المقيم في طرابلس "الناس يريدون فقط انتهاء الازمة. لا يهتمون بمن يتولى السلطة. مبعث القلق الوحيد هو ماذا سيحدث بعد ذلك. يخشون من الفراغ. انهم مذعورون. هذا هو الشيء الوحيد الذي يحول دون الانهيار."

الكتب التي منعها القذافي
من جانب آخر كانت الثورة التي أزاحت سلطة الزعيم معمر القذافي بعيدا عن شرق ليبيا مصدر خير لباعة الكتب اذ أقبل القراء مدفوعين بالفضول على الكتب التي كانت محظورة على مدى عقود من حكمه.

ويقول باعة الكتب في بنغازي معقل المعارضين في شرق البلاد ان الكتب التي تشهد أكبر اقبال هي كتب التاريخ والدين وكتب المعارضين المقيمين في المنفى والكتب الجديدة التي لم تخضع للرقابة."

وقال يوسف المواحيشي بائع الكتب "الناس متعطشة للمعرفة وللاطلاع على التاريخ" مشيرا الى أن مبيعات الكتب تضاعفت منذ أن اخرجت مظاهرات حاشدة شرق ليبيا من قبضة القذافي في منتصف فبراير شباط الماضي.
وقال وهو يساعد أحد زبائنه في متجر التمور لبيع الكتب في وسط بنغازي "الكتب المتعلقة بتاريخ ليبيا كانت محظورة او تخضع للرقابة. كان أغلب الموجود منها عن القذافي."

ومازال القذافي في السلطة في العاصمة طرابلس وأغلب مناطق غرب ليبيا على الرغم من غارات جوية تشنها قوات حلف شمال الاطلسي. ولم تحقق قوات المعارضة مكاسب كبيرة بعد شهور من القتال.
وسحقت المعارضة في ظل حكم القذافي الذي بدأ قبل أربعة عقود وكانت السلطة تتركز في يده ويروج نظام التعليم لنظريته الكونية الثالثة التي سعت للمزج بين الاسلام والاشتراكية.

وحظر القذافي الاحزاب السياسية وأقام نظام الحكم المباشر للشعب عن طريق لجان محلية. ويقول منتقدوه ان اللجان ليس لديها سلطة في دولته التي تدار بشكل مركزي ولم تكن سوى قنوات لرعاياه الشخصيين. بحسب رويترز.

ويقول باعة الكتب ان مساعي القذافي للترويج لافكاره وفلسفته جزئيا عن طريق كتابه الشهير (الكتاب الاخضر) كانت تشمل فرض رقابة صارمة على الكتب التي تورد أراء مختلفة أو حظرها تماما. وكانت الاعمال التاريخية عن ليبيا قبل الاطاحة بالملك ادريس عام 1969 تعتبر من المحرمات كذلك.

وقال محمد جراحي من متجر (دار ومكتب الفضل) لبيع الكتب "الطلب جيد على الرغم من المشكلات الاقتصادية. الكتب التي تشهد اقبالا أكبر هي كتب التاريخ وكتب المعارضين المقيمين في المنفى. لم يكن الناس يأتون من قبل لانهم كانوا يعتقدون ان الرقابة لا تبقي على شيء يستحق الشراء."

ويقول باعة الكتب ان العديد من الكتب الدينية كانت محظورة ومنها كتب المتشددين الاسلاميين وكذلك كتب معتدلين. وفي ظل حكم القذافي كان بعض الباعة يبيعون الكتب المحظورة لزبائن معينين مخاطرين بمواجهة أحكام بالسجن لفترات طويلة.
وفي متجر المواحيشي تتصدر الكتب الدينية المتجر لكن الزبون التالي اشترى كتابين عن القانون الدستوري.

وقال جبريل زليتني وهو مهندس "عشنا 41 عاما في جهل لذلك يجب أن نعلم أنفسنا وغيرنا. ليس لدينا دستور بعد ولن نقبل بان يفرض دستور علينا دون أن نتمكن من فهمه."
ويدير شرق ليبيا حاليا المجلس الوطني الانتقالي وهو كيان تشكل على عجل ويواجه صعوبات في ادارة المنطقة وصد هجمات قوات القذافي وتوفير السيولة والغذاء والدواء.
ومما يزيد من صعوبة الامر أن قلة فقط من الليبيين هي التي تملك الخبرة في السياسة وادارة المجتمع المدني بسبب قبضة القذافي الصارمة على السلطة.

ويقول أسامة الطناشي الذي يقع متجره لبيع الكتب بالقرب من مقر المجلس ان الكتب التي تتعلق بادارة الازمات تشهد اقبالا كبيرا وكذلك كتب القانون والتنمية.
وأضاف "القضاة والاكاديميون وأعضاء المجلس الانتقالي يشترون. لم يكن احد من هؤلاء يعبأ بشراء الكتب من قبل لان الحكومة كانت تحظر كتب القانون والكتب الاكاديمية." وأضاف "في عهد القذافي لم يكن لدينا كتب قانون. نبدأ من الصفر."

الى أرض الاحلام
الى ذلك لم تكد قرية "كفر حميد" بجنوب الجيزة تفيق من صدمة تداعيات الانتفاضة المصرية التي أطاحت بالرئيس حسني مبارك والمتمثلة في تعطل كثير من مصانع الطوب ومحاجر الرمل ومزارع الدواجن التي تمتص عددا لا بأس به من أبناء القرية حتى تلقت صدمة جديدة بعودة المئات من مهاجريها في ليبيا.
أحد هؤلاء العائدين هو حسن أو كما ينادونه اقرانه "أبو علي" والذي ورث عن أبيه وباقي افراد عائلته حرفة السفر الى ليبيا التي كانت حتى أسابيع قليلة "أرض الاحلام" بالنسبة لشباب قرية صنفت بين أفقر قرى مصر العقد الماضي.

كانت أول رحلة لابو علي (40 عاما) الى ليبيا في نهاية الثمانينات عندما كان المصريون يدخلون ليبيا ببطاقة الهوية الشخصية فقط قبل أن يلغى العمل بهذا النظام قبل عدة سنوات وصار جواز السفر وعقد العمل الموثق شرطا للمرور عبر المعابر بين البلدين.

عاد أبو علي من ليبيا هذه المرة بعد أسبوعين فقط من بدء الانتفاضة ضد الزعيم الليبي معمر القذافي. لكنه ترك هناك شقيقه الاصغر واثنين من أبناء شقيقه الاكبر اضافة الى ما قيمته ربع مليون جنيه مصري (نحو 43 الف دولار) كان يستثمرها ببستان للنباتات والزهور في بنغازي شرق ليبيا والتي انطلقت منها شرارة تلك الانتفاضة في 17 فبراير شباط.

يقول أبو علي ان أفراد عائلته بخير وانه يتواصل معهم دوريا رغم معاناتهم من نقص الخدمات والسلع وانعدام الامن الى حد كبير. لكنه غير مطمئن على استثماره الصغير الذي يشترك فيه مع ليبيين يقول ان بعضا منهم جاء الى مصر هربا من "جحيم القذافي".

ويضيف أبو علي "لهم كل الحق (الليبيون) في أن يثورا ضد القذافي" معددا بعضا من مشاهداته في ليبيا قائلا "هناك عائلات فقيرة جدا رغم ثراء البلاد والتعليم ضعيف وكذا الرعاية الصحية وانعدام الحرية والتقييد على الصحافة حتى ان هناك قناة تلفزيونية ارضية واحدة مسخرة للقذافي والحكومة."
رحلات ابو علي المكوكية الى ليبيا في السنوات الاخيرة كانت بواسطة "قدم الخير" وهي الاسم الذي اطلقه تيمنا على سيارة أجرة اشتراها قبل سنوات لتعينه في نقل بضاعته وكذا مسافرين من أبناء القرية وكانت "فاتحة خير" بالنسبة له. بحسب رويترز.

قطع حسن مع "قدم الخير" عشرات الالاف من الكيلومترات ذهابا وايابا بين وطن ضن عليه وعلى كثير من اقرانه بالرزق وموطن فاض عليه بخيراته على حد قوله.
"رحلة وراء رحلة... واحدة أعادت بناء دار العائلة المتهالك وثانية جهزت عرس شقيق وثالثة لرحلة حج ورابعة لشراء قراريط حولت العائلة من مجرد مزارعين مستأجرين الى أصحاب للارض...لكن دوام الحال من المحال."
"قدم الخير" وعشرات من رفاقها في تلك الرحلات تستقر ألان أمام دور أصحابها يعتليها غبار وسناج نتج بعضه عن غابة من المداخن الخاصة بمصانع للطوب توغلت فجأة في الصحراء القريبة دون رقيب أو حسيب.

وعلى مسافة قصيرة اجتمع عشرات من الشباب على مقهى بسيط يشاهدون الفضائيات الراقصة فيما افترش اخرون مصاطب أمام منازلهم أو جلسوا على دعامات جسر يربط بين ضفتي قناة للري تجمعت فيها شتى النفايات ومع ذلك يسقى به الزرع والحيوان.
يقدر عدد الاسر التي عاد أبناؤها من ليبيا بالقرية بنحو 400 أسرة يمثلون كل تعداد القرية تقريبا. ويضيف ابو علي أن هناك من فضل البقاء ومواجهة المجهول على العودة الى القرية "والجلوس على الجسور بلا عمل".

وتقدر وزارة الخارجية المصرية عدد العاملين المصرين في ليبيا بأكثر من مليون شخص عاد منهم أكثر من مئتي الف خلال الاسابيع الماضية اغلبهم خاوي اليدين بعد سنوات طويلة من العمل والاقامة هناك. و ذكر عائدون ان عددا من المصريين قتلوا واصيب اخرون في الصراع الدائر بين قوات القذافي والمعارضة المسلحة.

المصدر: شبكة النبأ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق