الأحد، 15 مايو، 2011

الاضطراب السياسي ليس بالضرورة نذيراً بكارثة اقتصادية

قال لي مصرفي إقليمي عاد لتوه من مصر، إنه معجب بالطاقة التي أحس بها، وإنه يشعر بالإثارة فيما يتعلق بالمستقبل الاقتصادي، وهو يتوقع أن تتزايد الاستثمارات الخارجية عند انتهاء الفترة الانتقالية ما بعد الثورة.

ساد هذا المزاج المتفائل القاهرة وتونس أيام الثورة، حين طمأن رجال الأعمال الذين أرادوا التغيير أولئك الذين فضلوا استمرار الوضع القائم، بأن الديمقراطية والمساءلة والشفافية أمور جيدة للأعمال. ويمكن أن تنطبق هذه النظرة على اليمن الفوضوي وعلى ليبيا الفاشلة بمجرد أن يخضع حاكماهما للإرادة الشعبية، وهو أمر مؤكد أن يفعلاه.

ربما يبرهن التفاؤل أنه مبرر، لكن الوضع الراهن كئيب. والحديث عن التقدم الاقتصادي يصطدم يوماً بعد يوم بالواقع القائم. وكانت فترة ما بعد الثورة نكدة، إذ ثارت المشاكل الأمنية على نحو منتظم – أدى عنف نهاية الأسبوع بين المسيحيين والمسلمين في القاهرة إلى مقتل 12 شخصاً، وتم فرض حظر التجول مجدداً في تونس بعد أيام من الصدامات بين المحتجين وشرطة مكافحة الشغب.

إلى ذلك، تعرض اقتصادا مصر وتونس لضرر شديد بسبب انهيار عائدات السياحة والشلل الذي أصاب الاقتصاد بشكل عام. وأولئك الذين حاربوا من أجل الحصول على وظائف – وما زالوا يحاربون من خلال الإضرابات والاعتصامات – يجدون في الواقع أن هناك فرص عمل أقل في الوقت الراهن.ويظهر الحجم الكامل للتراجع الاقتصادي بالتفصيل في تقرير صدر للتو عن معهد التمويل الدولي، الذي يتوقع معدل نمو اقتصادي لمصر يبلغ 1.5 في المائة هذا العام، وتراجعاً بنسبة 2.5 في المائة في العام المقبل. وسيتسع عجز الميزانية إلى 10 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في 2011/2012. ويتوقع التقرير زيادات في الدعم وغير ذلك من أوجه الإنفاق الاجتماعي، ويقول إن التحقيقات في فساد المسؤولين السابقين تزيد من عدم اليقين الاقتصادي.

ويقول عن تونس إن إعاقة النشاط الاقتصادي ستخفض النمو، ومن المنتظر حدوث تراجع بنسبة 1.5 في المائة هذا العام، إضافة إلى أن عجز الميزانية سيزيد من 1.3 في المائة في عام 2010 إلى 4.5 في المائة.

وبحسب وزير المالية التونسي، جلول عايد، التحدي هو الاستجابة للمطالب الاجتماعية بينما تستمر السيطرة على الميزانية، والتأكد من أن العجز لن يزيد على 5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وأي نسبة تزيد على ذلك تجعل من الصعب على تونس اللجوء إلى أسواق رأس المال لتمويل برامج التنمية المستقبلية التي لا شك في الحاجة إليها، كما يقول.

ويعترف الوزير بأن جزءاً من التحدي هو توصيل القيود إلى الجمهور وإقناع التونسيين بالصبر ''إنك لا ترى على التلفزيون كثيرا من النقاش الاقتصادي. وعليك أن تشرح الخيارات للناس''.

مما لا شك فيه أن النقاش سيصبح أكثر إقناعاً إذا كانت تقوده حكومة شرعية منتخبة. وستجري الانتخابات في تونس ومصر هذا العام. والسلطات المنتخبة أعلى احتمالاً في مقاومة المطالب الاجتماعية التي انطلقت منذ سقوط النظامين السابقين.

ومن المؤكد أن هناك مخاطر متزايدة من الشعبوية الناجمة عن صناديق الاقتراع. ويقول مؤيدو النظامين السابقين إن عودة السياسات الاجتماعية أمر حتمي، وإنها ستثبت أنها كارثية. لكن بينما لا يوجد شك في أن السياسة الاقتصادية في المستقبل ستكون أكثر حساسية للحاجات الاجتماعية، إلا أن من الممكن أن تتولى إدارتها فرق اقتصادية أقدر وأقل فساداً، تركز على إعادة توجيه الموارد الموجودة وتوجه الدعم إلى مستحقيه، وتراجع النظام الضريبي، وتحد من الهدر البيروقراطي.

وكما يقول المصرفي الكبير العائد لتوه من القاهرة، فإن بعض الانضباط سيفرض من جانب المانحين الأجانب، بما في ذلك المؤسسات متعددة الجنسيات التي من المتوقع أن تدعم التحولات الاقتصادية. ''إن أولئك الذين كانوا يربحون جيداً في مصر، قبل الثورة، لديهم توقعات سلبية. لكن رجال أعمال آخرين لم يكونوا مقربين النظام يزيدون استثماراتهم''.

في أيامنا هذه تبدو الثورة أمراً سيئاً بالنسبة إلى الأعمال. لكن هذه فترة انتقالية – من المؤكد أنها غير مستقرة، لكنها ضرورية إذا كان ينبغي إيجاد أنظمة سياسية واقتصادية أكثر عدالة وشمولا.
المصدر: الأقتصادية الإلكترونية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق