الثلاثاء، 31 مايو، 2011

بـــلاد الغـولـــة

ضياء المهدي: طوّق الأنذال شارعاً بأكمله بحي الأندلس بطرابلس بعد منتصف ليل أحد أيام الأسبوع الماضي، ليقتحموا منزل السيدة العجوز ومعها ابنها طلال وأحفادها. يقتحمون منزلها بكامل زيهم العسكري وأسلحتهم، يحطمون الأبواب والأثاث.
يدخل كبيرهم  على السيدة في حجرتها، يضع فوهة رشّاشه على رأسها وآخر يلوّح لها بسكين... أين الخزنة يسألونها. آخرون من مغاوير القائد المظفر يقتادون طلال ليسلمهم مفاتيح سيارات الأسرة ويقتادونه وضيفه، عادل، إلى الشارع. يصرخ جارٌ لهم مستغيثا مستنكرا ما كان يرى ويسمع، فيلحقونه بطلال وعادل [وهذه ليست أسماؤهم الحقيقية]. كان نصيب الجار ليلةً من الضرب المبرح، ثم الإلقاء به على رصيف أحد شوارع المدينة. ويعود الجار إلى منزله ليروي ما حدث. لقد ذهبوا بهم إلى ساحة مضاءة بكشافات في أحد المعسكرات. أوسعوا الجار ضربا وركلا، أما طلال وعادل فربما كان نصيبهما التصفية حسب ما سمع من حديث بين أفراد العصابة المسلحة من عصابات القذافي. وسنظل ندعو الله أن يتولى طلال وعادل بحمايته وصون كرامتهما ليعودا سالمين إلى أم طلال وأم عادل وأسرتيهما ووطنهما.. نعم المولى ونعم النصير.
لقد أحلّ معمر القذافي كلّ موبقة وكل محرّم في سبيل إرضاء غرور صوّر له أنه إله على الأرض كلها. أما جنوده فمخلوقات على صورة سيدها قبحا وانحطاطا شكلا وسلوكا.
أطلق القذافي أتباعه من الأمساخ على شاكلته.. يعيثون في الأرض فساداً وتقتيلا واغتصابا وافتراءً... كل ذلك من أجل ان يبقى، وأولاده من بعده، ملكاً قُل.. أو إلهاً كما يتصور أو يتمنى. يطلق مجرميه من رجال كتائب أمنه وحرّاس ثورته وأمنه الداخلي وأمنه الخارجي وآخرين تحت أسماء شتى.. يطلقهم ليقتحموا المنازل مروّعين للنساء والشيوخ والأطفال، قتَلةً سارقين مغتصبين، يكسّرون ويحطّمون ويشتمون.. يقتادون الشباب إلى معسكرات التعذيب والتصفية.
ما جرى في مصراته واجدابيا والزاوية ولا يزال جاريا في جبل نفوسه الأشم البعض منه معلومّ مُذاع، وما خفي منه أعظم. أما ما يجري في طرابلس فهو، إلى حد كبير، صامت غير مرئي. في غير طرابلس كان الموت سريعا أو مفاجئا.. في طرابلس هو موت بطيء بطيء، مقدماته نُذر من حمامات دم لا تبقي ولا تذر، وجرائم مروّعة تشي بما هو قادم.
لم تعد قضية الليبيين قضية شعب أو وطن.. هي مأساة إنسانية تتجاوز حدودها كلّ انتماء سياسي أو عرقي أو ديني، وتتجاوز كل منفعة مهما كبرت لفرد أو جماعة أو دولة. لقد آن لكل إنسان أن يتحذ موقفا ضدّ هذا الطاغوت باليد أو بالمال أو الكلمة الطيبة.. أو بمجرد كفّ الأذى.. بأي شيء وبكل شيء... آن للحجر أن ينطق.
يجري كل هذا في ليبيا على نحو ممنهج، وعلى أيدي أوغاد يجوبون الشوارع لا يكبحهم رادع من دين أو خلق أو مؤسسات دولة... أما العون في التدبير والتخطيط ـ والديكور! ـ فيأتي ممّن يدّعونون أنهم يدرؤون ما هو أدهى وأمرّ. لن تنفع هؤلاء "العقلاء" أمام الناس وأمام خالقهم ذريعة أو عذر فهم أركان الطاغوت، ويطالهم قدرٌ من المسؤولية عن أفعال أولئك الأوغاد الجوالين في شوارع طرابلس ليلاً، ترويعاً وقتلا واغتصابا وسرقة، وعن أبواق الكذب والشعوذة والعهر الإعلامي على شاشات التلفزيون. هم جميعا مسؤولون عن ترويع أمّ طلال ومحنتها في تلك الليلة من الأسبوع الماضي.  يعيبون على المستضعفين أنهم استغاثوا بالبشر في كل الديار، فأسموا استغاثتهم استقواءً بالأجنبي على الشقيق، وكأن استجابة الأجنبي دون بني الجلدة والدين عاراً يلحق بالمستضعَف وليس بالمتفرج والمتواطئ.   يستترون وراء إخلاص لصحبة حسبوه عذراً لإعانة ظالم على اغتيال الوطن. ونراهم ناكسي الرؤوس خزياً وبؤسا وهوانا.
والجزاء من عند العزيز ذي الانتقام آت، على يد الليبيين أنفسهم، في هذه الدنيا كما في الآخرة... لعلم من لا يؤمن بآخرة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق