الأحد، 24 أبريل، 2011

ليبيا.. معركة الحسم ما بين التقسيم والتفتيت والخلاص

عمر كوش: يتجه الوضع في ليبيا نحو مزيد من التعقيد والتأزيم، وذلك بالرغم من مرور أكثر من شهرين على انطلاق ثورة 17 فبراير ضد حكم العقيد معمر القذافي، وصدور القرارين 1970 و1973 عن مجلس الأمن الدولي، حيث يفتقد كل من الحلين العسكري والسياسي أية آفاق للخلاص من نظام القذافي، في ظل افتقار الثوار الليبيين لإمكانية حسم المعركة على الأرض، واتسام عمليات التدخل العسكري حفل الناتو بالتباطؤ والافتقار إلى الفاعلية اللازمة.


كما أن الموقف السياسي الدولي بدوره ليس فعالاً كذلك، فيما يستمر سقوط الشهداء، وتستمر المعارك بين الثوار وكتائب القذافي وقواته، التي تقوم بقتل المواطنين الليبيين في العديد من المدن الليبية.

ويبدو أن الأوضاع في ليبيا تتجه نحو السير إلى معركة الحسم ما بين التقسيم والتفتيت والخلاص من القذافي ونظام حكمه، حيث تشير الوقائع والمعطيات على الأرض إلى وجود مؤشرات على إمكانية تقسيم ليبيا ما بين كيانين موزعين بين الشرق والغرب، بينما يتوقف الخلاص من حكم القذافي على إرادة الدول الغربية، التي تمتلك شروطاً، تتطلب من الثوار والمجلس الوطني الانتقالي الموافقة عليها، وتتعلق بمستقبل ليبيا وعلاقاتها مع الغرب وطبيعة القوى التي ستحكم ليبيا ويمكنها تأمين وحماية المصالح الغربية في ليبيا.

التقسيم وممكنات الخلاص

 يجد تقسيم ليبيا ممكناته في ظل إصرار القذافي على البقاء في الحكم وتهديداته بالحرب الأهلية، وفي ظروف وتركيبة ليبيا الاجتماعية والتاريخية، حيث يحاول القذافي المراهنة على إمكانية إحداث شرخ بين القبائل والمناطق الجهوية، وبما يترك آثاراً سلبية في مستقبل البلاد، وجرها إلى أتون إلى صراع أهلي بالتركيز على وجود انقسام بين الشرق والغرب، وبين بنغازي وطرابلس، والعودة بهما إلى ما قبل مرحلة الملك إدريس السنوسي، مع أن الشعب الليبيي وضع تلك المرحلة الغابرة من الانقسام وراء ظهره، حيث يصر الثوار والمجلس الوطني الانتقالي على وحدة الشعب الليبي ووحدة ترابه ودماء شهدائه، وعلى أنهم لن يرتاحوا ولن يتوقفوا عن الثورة ما لم تتخلص طرابلس وسرت وسبها وسائر المدن والمناطق الليبية الأخرى من حكم القدافي ومن سطوة وسيطرة المجموعات والكتائب التابعة له.

إن كان التقسم يتهدد ليبيا، فإن ممكنات الخلاص من حكم القذافي تتجسد في أكثر من عامل مساعد، لكنها محكومة عسكرياً بتغيير الوضع على الأرض عن طريق تسليح الثوار وتقديم الدعم اللازم لهم، وهو أمر غير متفق عليه دولياً، الأمر الذي يبقي المعادلة على الأرض محدودة من طرفها الأول بامتلاك نظام القذافي آلة عسكرية قوية جداً ومجهزة، وعلى الطرف الآخر يقف الشعب الليبي الأعزل والثوار الذين لا يملكون سوى بعض الأسلحة الخفيفة وغير الكافية لحسم المعركة.

ولم تتغير هذه المعادلة إلى اليوم، بالرغم من أن القرارين الدوليين اللذين صدرا بخصوص ليبيا وفرا السبل اللازمة لحماية للمدنيين، ونزعا الشرعية من نظام القذافي. وبالرغم من اعترف المجتمع الدولي بضرورة القيام بالإجراءات اللازمة من أجل الخلاص من القذافي، وفرض العقوبات الصارمة، إلا أن نظام القذافي يتصرف، وكأنه باق في السلطة إلى الأبد بالرغم من كل ذلك، ويعيش حالة إنكار ورفض لأية دعوة لرحيله، بل ويستعمل جميع الوسائل العسكرية المتاحة له لضرب المعارضين وقمع الثورة، معتبراً أن كل الوسائل مبررة لبقائه في الحكم، الأمر الذي يفسر ضربه عرض الحائط بكل قيم الحرب والروادع التي يفرضها القانون الدولي في ضبط الحروب والنزاعات.

وحاولت الأمم المتحدة إيجاد آلية تؤمن حماية المدنيين الليبيين، بوصفها تعبر عن مبدأ مسؤولية حماية المدنيين، وسلمت المهمة إلى الدول الكبرى للتنفيذ. وبناء على التفويض الأممي، تشكل تحالف من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا وسواها، وضم في مجموعه سبعا وعشرين دولة غير منسجمة فيما بينهما وعلى تنفيذ المطلوب منها في ليبيا، وراحت الدول الكبرى في التحالف تتحمل مسؤولية الإجراءات المطلوبة لتأمين تنفيذ قرار مجلس الأمن، لكن الولايات المتحدة الأمريكية سرعان ما انسحبت من رئاسة التحالف، وسلمت المهمة إلى المؤسسة العسكرية لحلف شمال الأطلسي (الناتو). وتبين مع الوقت أن الحلف الأطلسي ليس في عجلة من أمره، وأن عملياته العسكرية مقيدة ومحدودة، الأمر الذي أدى إلى اتهام القرار الليبيين الحلف بالتباطؤ وعدم فاعلية عملياته في التأثير في القدرات العسكرية لقوات القذافي وكتائبه.

وعلى الجانب السياسي، تكاثرت المبادرات والمجموعات الدولية من أجل البحث عن حلّ سياسي، لكن دون جدوى، حيث يرفض القذافي أية مبادرة تنص على تنحيه عن السلطة، فيما يرفض ـــ بالمقابل ـــ ممثلو الثوار والمجلس الانتقالي الليبي أية مبادرة لا تتضمن الخلاص من القذافي وأولاده. وتطلب هذا الوضع الليبي الخاص مساعي ومبادرات من نوع خاص تحاول إيجاد السبل الكفيلة بمعالجة جملة من عناصر متناقضة. وجاءت المبادرة الإفريقية في هذا السياق وكأنها أعادت الشرعية لنظام القذافي، مما أفضى إلى رفضها القاطع من طرف المجلس الوطني الانتقالي الليبي، ففشلت، كما سبق أن فشلت من قبلها المبادرة التركية أيضاً. ثم اتجهت أنظار المراقبين إلى العاصمة القطرية، الدوحة، حيث أجمعت مجموعة الاتصال الدولية الخاصة بليبيا، وأعلنت أن الحل السياسي سيكون بتنحية القذافي، حتى يمكن البدء بالعملية السياسية، واعترفت بالمجلس الانتقالي في بنغازي ممثلاً شرعيا للشعب الليبي للتحاور معه، ودعت لإنشاء آلية مالية مؤقتة لدعمه. ولم تكن قرارات بيانها مختلفة عن المطروح دولياً، إذ شددت فيه على ضرورة حماية المدنيين والعمل على فتح طرق آمنة لنقل المساعدات وإخلاء الجرحى، وإطلاق المعتقلين والسجناء السياسيين، والعمل على إعادة الخدمات الأساسية للشعب الليبي. كما رحبت بقيادة الناتو للعمليات العسكرية ضد كتائب القذافي، ودعت لرصد تحركات أي مجموعات متطرفة تسعى لاستثمار الوضع في ليبيا.

من جهتها، تسعى إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما إلى البحث عن مخرج للقذافي، حيث أفادت صحيفة ''نيويورك تايمز'' بأن إدارة الرئيس باراك أوباما أطلقت عملية بحث مكثف لإيجاد بلد يمكنه أن يستضيف معمر القذافي وأفراد أسرته. ويبدو أنها تحاول إيجاد بلد لم يوقع أو يصادق على معاهدة روما، التي ترغم الدول على تسليم أي شخص تدينه المحكمة الجنائية الدولية، مع أن الولايات المتحدة الأمريكية نفسها لم توقع المعاهدة، تجنباً لاحتمال ملاحقة ضباط وأفراد في الجيش الأمريكي والاستخبارات الأمريكية.

المصالح الغربية

لا شك في أن تعامل الدول الغربية مع الوضع في ليبيا يحكمه في المقام الأول مصالحها الحيوية والاستراتيجية، لذلك فإن مجرى هذا الوضع يسير على خلفية تداخل المصالح الدولية مع أولويات ومصالح القوى الليبية الفاعلة في الداخل والخارج، في ظل سيادة جوّ يتسم بقليل من الثّقة وكثير من الشّكّ. وفيما يركز المجلس الوطني الانتقالي الليبي على ضرورة تكثيف الضربات الجوية لحلف الناتو على قوات القذافي وتزويد الثوار بالسلاح، فإن حلف الناتو غير معني بتوفير هذين الأمرين، ويعتبرهما متعارضين مع أهداف دوله في الحصول على مزيد من المكتسبات من خلال إطالة أمد الحرب، حيث تعتبر الدول الغربية أن تزويد الثوار بالسلاح يتعارض مع قرار مجلس الأمن الدولي. وهناك من يرى أنه حتى ولو قامت الدول الغربية بتزويد الثوار بالسلاح، فإنها لن تقدم السلاح الكافي الذي يمَكِّنِ الثوار من إحراز النصر على قوات القذافي وكتابه، بمعنى أنها لا تريد أن يقضي الثوار على قوات القذافي وألا ينهزم الثوار في الوقت نفسه.

ويكشف واقع الحال، أن المصالح الدولية في ليبيا تتركز، بشكل أساسي، في موارد الطاقة والاستحواذ على مناطق النفوذ في الشمال الإفريقي، حيت تمتلك ليبيا ميزة نسبية لنفطها، من حيث الجودة وانخفاض تكلفتي الاستخراج والتصدير، وذلك بالنظر لقرب حقول البترول من شواطئ البحر الأبيض المتوسط، بما يجعله قريباً من الأسواق الأوروبية، كما أن تحركات ونشاط نظام القذافي في القارّة الإفريقية أزعجا في الماضي القريب كلا من فرنسا والولايات المتحدة وجنوب إفريقيا ودول طامحة أخرى. لكن، نظام القذافي، قدم تنازلات كثيرة لهذه الدول، ظهرت في السنوات القليلة الماضية بوادر تفاهم وتنسيق بين القذافي وبريطانيا والولايات المتّحدة الأمريكية وسواهما من الدول، وذلك على حساب الشعب الليبي وثرواته.

وفي جانب الثروات ومصادر الطاقة، تمتلك القارة الإفريقية مخزوناً، يصل إلى نحو 10 في المائة من احتياطي النفط العالمي المثبت، ويتركّز معظمه (بنسبة 60 في المائة) في ثلاث دول رئيسة منتجة هي: نيجيريا والجزائر وليبيا. ومع بدء الليبيين في الثورة على نظام معمر القذافي، انفتح الباب واسعاً للاعبين الدوليين لكي يُعيدوا تموضعهم بالتنافس على حصص من مخزون النفط المقدّر بنحو 41.5 مليار برميل، والغاز المقدّر بنحو 51 مليار قدم مكعبة، ومناطق النفوذ. وتمتلك شركة ''إيني'' الإيطالية النصيب الأكبر في الشّركات النّفطية العاملة في ليبيا، حيث تنتج نحو 550 ألف برميل نفط يومياً، وتمثّل عائداتها من النّفط الليبي 14 في المائة من مجمل عائدات الشركات. وتليها شركة ''أو إم في'' النمساوية بنسبة 10 في المائة من مجمل إيراداتها من ليبيا. ثم شركة ''مراثون أويل'' الأمريكية 11 في المائة، وشركة ''ريبسول'' الإسبانية بنسبة 5 في المائة. في حين تأتي شركة ''توتال'' الفرنسية في مرتبة متدنية، إذ تبلغ عائداتها من النفط الليبي نحو 2 في المائة فقط من مجمل عائداتها. لذل تبدو فرنسا الدولة الأقلّ استفادةً من بين القوى الكبرى، الأمر الذي يفسر حماسها تجاه الوضع الليبي.

آفاق الحلّ

يبدو أن النتيجة النهائية للصراع في ليبيا لن تحسم سياسياً بل عسكرياً، وخصوصاً إذا ما تم تسليح الثوار بضمانات معينة وإعطاؤهم ما يكفي من القوة لدحر قوات القذافي، لكن إن استمر الوضع على ما هو عليه في أيامنا هذه، فإن معاناة الشعب الليبي ستستمر، وسيكون على أبناء ليبيا تحمل المزيد من المآسي التي تُبقي مدنهم عرضة للدمار ولاستشهاد المزيد من سكانها المدنيين.

غير أنه ما دام المدنيون في ليبيا يتعرضون للتهديد والإبادة، فإن مسؤولية الحماية تقع على عاتق المجتمع الدولي، وستبقى كذلك بالقدر الذي يولده إصرار القذافي وأزلامه على البقاء في الحكم، وهذا بدوره يستوجب تطبيق قانون التدخل الإنساني، وتوجيه الاتهام له بارتكاب جرائم ضد الإنسانية. أما النظام العربي، فهو بالأساس نظام ضعيف، وليس هناك موقف عربي متبلور إزاء ما يحدث في ليبيا، باستثناء مواقف دول مجلس التعاون الخليجي، التي لديها بعض المرونة لاتخاذ بعض المواقف، وخاصة قطر والإمارات.

ويمكن القول إن الوضع في ليبيا بات مرشحاً لأن يمهد لإمكانية الثورة المضادة في البلاد العربية التي قامت بثوراتها، الأمر الذي يؤجل استكمال أهداف الثورات التي نجحت في اختراق حاجز الخوف وما تبقّى من مظاهر الاستبداد. ومن المهم أن تنكشف الأحداث في ليبيا عن انتصار الثورة، وأن تتجسد آفاق الحل في الاعتراف سياسياً وحقوقياً بالواقع المستجد، وفي السعي نحو التعددية وتشييد الديمقراطية وإعطاء الجميع حقوق المواطنة الكاملة، على مختلف المستويات، السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية.

 الاقتصادية الإلكترونية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق