الأحد، 24 أبريل، 2011

قصاص ليبيا: حيث تبدأ الاشياء وتنتهي!

أمجد ناصر: يبدو أن العقيد معمر القذافي ليس مجرد حاكم أبدي ذي صلاحيات مطلقة، بل 'آدم' ليبيا. كلامه أول الكلام وفعله أول الفعل، وتلويحة يده أول حركة ترسمها يد الانسان في الفراغ. ففي جماهيرية العقيد، أقصد 'آدم ليبيا'، يبدأ كل شيء من 'ساعة الخليقة'، ساعة الصفر الانسانية.


فابنه سيف الإسلام مُحدّثها الأول، ابنه الساعدي رياضيها الأول، ابنه خميس عسكريها الأول، ابنته عائشة سيدة البلاد الأولى ذات الأيدي البيضاء، أخت الليبيين أو أمهم الشابة الرؤوم.

فمن نسل آدم، كما نعرف، يطلع الأوائل في كل شأن ويختطون الطرق ويتسنمون المقاليد ويستوون على أرائك الريادة بعد عناء التأسيس. من المحتمل أن تكون هناك 'ريادات' أخرى لعقيد الجماهيرية وأفراد أسرته لم ترق إلى علمنا. فكرة مثل نهر ليبيا الصناعي العظيم هي إجراء للماء الأول الذي سيروي أول إقامة على الأرض، أما سكّ أسماء أشهر السنة على ألسن الليبيين (ومن يقيم في ليبيا ويتعامل معها) فبدء في التاريخ ووضع لرموز الوقت وسنٌّ لعلاقة الأرض بالكون المحيط، المجهول، وضبط لتقلبات الفصول.

الظلال الكبيرة التي فردها العقيد على جماهيريته لا تتوقف عند هذا الحد. هناك الأدب. فبعد التأسيس ورفع أعمدة البناء وترويض الطبيعة وتسمية الأشياء وضبط الوقت تأتي الكلمات التي تقيِّد الريادات وتخطُّها وتحفظها لبشر ما بعد الولادة الأولى. إنه التاريخ وهو يتخلَّق ويدبُّ على الأرض. الناس وجدوا وراحوا يتكاثرون ويدخلون في علاقات الإقامة والاستيطان ويكونون مجتمعاً ولم يعد ينقص سوى وضع دستور لتلك العلاقات والمصالح والبنى المتداخلة فكان 'الكتاب الأخضر'. إنه 'الكتاب'. الدستور. الدليل الهادي. وهو أخضر. دلالة على الخصب والنماء. فبعد أن وجد اللسان وراح يتشعب لا بدَّ من دليل كي لا يتبلبل في الاجتهادات. إنَّه سنن الحكم التي ألمت بالسياسة والاقتصاد والاجتماع والانتاج وعلاقته. ولكنَّ 'الكتاب الأخضر' مجرد دليل. دستور. عمل فكري ناظم للعلاقات وليس كتابة أدبية. ففي قريحة العقيد الكثير. إنها تفيض بالصور وتتموج بالكلمات وتنبض بالمشاعر الغامضة التي تبحث لنفسها عن شكل لتتجسد وتروي، فكانت القصص.

ليست 'قصص' القذافي قصصاً. إنها أول القصص. لذلك تبدأ من البداوة. وهذه، في بعض المعاجم، تعني البداية والظهور وخلاف التحضّر والتمدين. فالتمدين لاحق. الأصل هو البدو. هذا ما نراه في قريته وأرضه وانتحار رائد الفضاء الذي يطوف أجواز السماء ويعود الى الأرض متسولاً بعد أن فقد المعنى!

لكنَّ القذافي، آدم ليبيا، الذي عمَّر (اسمه الأول) الأرض وشقَّ الطرق وأرسى البنيان يعود، عكس أي آدم آخر، لينقض ما بنى. فالمدينة التي شبَّت عن الطوق، والاجتماع البشري الذي أهداه كتابه الأخضر يأبيان أن يرتشدا. الضلالة، على ما يبدو، طبع متأصل في الانسان. جزء من الجبلة ذاتها. فما العمل؟

العودة الى البداية. إلى القرية، أو الصحراء حيث نقاء الهواء والسرائر. صاحب 'الكتاب الأخضر'، المصمَّم لمعالجة آفات 'الحداثة' والمجتمعات التي تولدت مع الصناعة أو بعدها، ينقض 'رسالته'. فيقرر أن الفراغ هو الأصل، فعالم الاكتظاظ والزحام والمطالب المعيشية التي لا تنتهي والجشع الذي لا يرتوي ليس، على ما يبدو، هو العالم الذي بشرَّ به. عليه، إذن، هجره. الثورة الأولى تحتاج الى ثورة ثانية، وها نحن نرى 'البدء الثاني' للقذافي في المدن الليبية. لا يرى العقيد في شعبه إلا شرذمة من جاحدي الصنيع. وعندما قال إنهم جرذان أو فئران لم يتعلق الأمر بزلة لسان. فقد رددت قوله أبواق متوترة من الحاشية. جرذان. فئران. جرذان. فئران. وليس لهذه الكائنات المنحطة التي تنقل العدوى، هذه الكائنات غير المجدية، سوى السحق. فالأرض تلوثت. المدينة اجتاحتها الفئران ناقلة العدوى وليس هناك سوى التطهير. وها هو 'آدم ليبيا' المضاد يطهر الأرض منها. بالنار تتطهر الأرض الملوثة وليس بأي شيء آخر. النار. وها هو يصبُّها، كفعل تطهر، على رؤوس شعبه. الناجون من النار هم اولئك الذين يحتفظون بالتعويذة الأكيدة: الأعلام الخضر. تلك التي ترفعها الأيدي العصبية الملوحة بين أسوار 'باب العزيزية'.

المصدر: القدس العربي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق