السبت، 2 أبريل، 2011

الاقتصاد الليبي والفرص الضائعة

جاسم حسين: لم ينجح العقيد الليبي معمر القذافي في حسن إدارة الاقتصاد الليبي رغم طول مدة بقائه في الحكم, حيث سيطر على السلطة في عام 1969. ومع الأسف الشديد، تتأخر ليبيا في عديد من المؤشرات الدولية بدءا بالتنافسية الاقتصادية وليس انتهاء بالشفافية, كما عانت ليبيا في الآونة الأخيرة صعوبات في استقطاب الاستثمارات الأجنبية المباشرة.

التنمية البشرية
ربما يكون اعتبار أفضل نسبيا للجماهيرية عبارة عن تحقيق المرتبة رقم 53 من بين 169 بلدا في تقرير التنمية البشرية لعام 2010، ومصدره برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. فقد تم وضع ليبيا في خانة الدول التي تتمتع بتنمية بشرية مرتفعة لقاء الأداء الإيجابي على معايير المؤشر, وهي العمر المتوقع عند الولادة ونسبة المتعلمين, إضافة إلى نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي. من جملة الأمور، يتميز تقرير التنمية البشرية باعتماده على ثلاثة متغيرات, ما يعني أنه لا يكفي أن يكون أي بلد متقدما على معيار واحد مثل متوسط الدخل لتحقيق تقدم على حساب الدول الأخرى، بل هناك التعليم والصحة في الوقت نفسه.
ويعود جانب من الأداء الإيجابي ولو بشكل نسبي إلى محدودية عدد السكان في هذه البلاد المترامية الأطراف. يبلغ عدد السكان في ليبيا بما في ذلك العمالة الوافدة نحو 6.6 مليون نسمة يعيشون على مساحة شاسعة تزيد رقعتها على 1.7 مليون كيلو متر مربع. وعلى هذا الأساس تحتل ليبيا المرتبة رقم 17 على مستوى العالم من حيث المساحة, ما يعد أمرا لافتا.
التنافسية الاقتصادية
عدا مؤشر التنمية البشرية، تعاني ليبيا ظاهرة تسجيل نتائج غير لافتة في عديد من المؤشرات الدولية. على سبيل المثال، نال الاقتصاد الليبي المرتبة رقم 100 في تقرير التنافسية الاقتصادية لعام 2011/10 ومصدره المنتدى الاقتصادي العالمي, الذي يتخذ من دافوس في سويسرا مقرا له. يعد هذا الترتيب متأخرا في التقرير الذي شمل 139 بلدا في العالم.
يعد مؤشر التنافسية نوعيا؛ كونه يعتمد على نتائج 12 متغيرا موزعة على ثلاثة محاور رئيسة, وهي الركائز الأساسية ومحفزات الكفاءة والتطور والابتكار. وهذه المتغيرات في المؤسسات، البنية التحتية، الاستقرار الاقتصاد الكلي، الصحة والتعليم، فيما يخص محور الركائز الأساسية. ويتكون محور محفزات الكفاءة من التعليم العالي والتدريب، كفاءة سوق السلع، كفاءة سوق العمل، تطور سوق المال، الجاهزية التقنية وحجم السوق. كما يتضمن محور التطور والابتكار من ركيزتي تطور الأعمال والابتكار. تتمثل المنهجية المستخدمة في صياغة مؤشر التنافسية العالمية في جمع المعلومات العامة المتوافرة, إضافة إلى استطلاعات رجال الأعمال.
مدركات الفساد
إضافة إلى ذلك، لا تتمتع ليبيا بترتيب إيجابي على مؤشر مدركات الفساد التابع لمنظمة الشفافية الدولية، فقد حلت ليبيا في المرتبة رقم 146 من بين 178 بلدا في تقرير مدركات الفساد لعام 2010, ما يعد أمرا سلبيا ودليلا على وجود نوع من الفساد المالي والإداري في المعالات الرسمية.
يتم ترتيب الاقتصادات بالنظر إلى نتائج 13 استطلاعاً ومسحاً بتنفيذ عشر مؤسسات مستقلة بينها وحدة المعلومات في مجموعة إيكونومست البريطانية والبنك الدولي ودار الحرية ومؤسسة البصيرة العالمية وبنك التنمية الآسيوي وبنك التنمية الإفريقي. وشملت عمليات الاستطلاع وجهات نظر الخبراء عن الدول المختلفة المقيمين منهم وغير المقيمين, فضلا عن رجال الأعمال الأجانب للوقوف على مسألة مدى تقبل السياسيين وموظفي القطاع العام الرشا.
الاستثمارات الأجنبية
من جهة أخرى، عانت ليبيا أخيرا معضلة استقطاب الاستثمارات الأجنبية المباشرة الواردة بدليل تراجع قيمتها من 4.1 مليار دولار في عام 2008 إلى 2.7 مليار دولار في 2009 ـــ على سبيل المقارنة فقط، بلغت قيمة الاستثمارات الأجنبية المباشرة الواردة في عام 2009 للسعودية وقطر تحديدا 35.5 مليار دولار و8.7 مليار دولار على التوالي. كشف ذلك تقرير الاستثمار العالمي 2010، ومصدره مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية والمعروف اختصارا باسم ''أونكتاد''.
غالبا يشكل الاستثمار الأجنبي مقياسا على وجود ثقة من قبل المستثمرين الأجانب باقتصادات الدول الأخرى. تعد الاستثمارات الأجنبية المباشرة دليلا ناجحا على مدى قناعة المستثمرين الدوليين بأهمية الاستثمار في مختلف الدول، وذلك بالنظر للآفاق المستقبلية لتلك الاقتصادات.
حقيقة القول، تزخر ليبيا بكثير من الموارد الطبيعية, خصوصا النفط والغاز الطبيعي. النفط الليبي ذو جودة عالية, الأمر الذي ساعد على المحافظة على الطلب عليه حتى أثناء الحصار الاقتصادي. وحسب أفضل الأرقام المتوافرة، يبلغ حجم الاحتياطي النفطي الليبي نحو 44.3 مليار برميل, ما يعني أن هناك ثماني دول فقط تمتلك احتياطيا نفطيا أكثر من الجماهيرية.
وكأي دولة مصدرة للنفط يواجه الاقتصاد الليبي معضلة التكيف مع هبوط أسعار النفط وصعودها, وهذا بدوره يجعل الاقتصاد عرضة للتطورات وتحت رحمة الأسواق العالمية.
ختاما، لم يتمكن القذافي من التوظيف الصحيح للثروات المتنوعة التي تتمتع بها ليبيا؛ البشرية منها والطبيعية، حيث صب اهتمامه على المغامرات في مختلف بقاع الأرض, خصوصا القارة الإفريقية.
*عن صحيفة" الإقتصادية" السعودية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق