السبت، 9 أبريل، 2011

السحالى والحرابي والأفاعي

علي عمر التكبالي: تثير الزواحف لدينا نوعا من التقزز والقشعريرة، وتجعلنا نحس بأنها تزحف فوق أجسادنا بأطرافها الهلامية التي لها قدرة عجيبة على الألتصاق بالسقف والأرض والعشب.

وليس أشبه بالزواحف في عالم "ألانس" من القذافي وطغمته، فهؤلاء يذكرونني دائما بما كان يردده صديق لي عن أن لكل مخلوق في عالم الحيوان شبيهه في عالم الأنسان. وأرى أن نبدأ بالسحالى لنرى من يمثلها في طغمة القذافي الهلامية.

ولا أرى شبيها بالسحلية أقرب من رجال الأعلام في مزرعة القذافي، ولعل أفضل ما نمثل به هو المدعو "يوسف شاكير،" فهذا الرجل يشابها شكلا وموضوعا بل حتى لونا.. فشكل الرأس المثلث لا يبعد كثيرا عن سحلية تتشبت بالحوائط، وتتبث عينيها في مقدمة الرأس لتمسح الفضاء حولها مترقبة ضربة من هنا أو خبطة من هناك قد يكيلها لها الذين لا يطيقونها. وانظر إلى لون الوجه "المزفرط" الذي يبدو وكأن صاحبه قد خرج لتوه من قبو أو قبر، أو مخبأ تحت الأرض.

ولعل أفعال السحلية المعتمدة أساسا على التشبت تقربك من الفكرة التي أريد أن أوصلها لك، فالرجل خبير بتسلق الزوايا والثنايا، ويحمل بين جنباته إنتهازية قد لا تتمتع بها أكثر السحالى لزوجة.
أنظر إليه وهو يتربص متخفيا بالجدار ثم يقفز وينتفض وينشب أظافره في جسم صلب حتى لا يهوي.

وفي كلام "يوسف شاكيل" أوجه شبه قريبة من السحلية فهي تتقيأ وتتبرز على ما حولها وتحتها ولكنها تعجز عن إطلاق عفونتها على ما فوقها، ولا يفتأ المدعو "مستر سحلية" يتغوط ويبول ويرغي ويزبد في لغة تبكي أقل النحاة معرفة، وتجعله يتلوى من ألم في البطن ويمسك أنفه من القرف.
شيء واحد نعرفه جميعا عن السحلية هو أنها لا تجيد الركض فوق الأرض، فعلّتها الكبرى أن تقع إلى الأسفل فتصبح عرضة لرفس الأقدام.

وليس هناك أشبه من الحرابي كالقذافي نفسه، فالمظهر الخادع المعتمد على أطراف تندس تحت جلد عباءة متغيرة الألوان، والقلنسوة ذات الآذان، والذيل القماشي المنساب فيما بعد الخطى المتربصة لا تبعدك كثيرا عن التفكير بحرباء زاحفة.. وإذا نظرت إلى الوجه المتشقق، والعينين النائمتين المتحركتين بين أنف ينبعج في نهايته، فلا يلزمك أن تعاين الفم المزموم المسموم كي تعترف بينك وبين نفسك بأن الرجل حرباء.

وكما قرأت في مدرستك وشاهدت في محيطك، وكما أخبرك من هم أكبر منك سنا وأكثر خبرة بأن الحرباء متعددة الألوان كثيرة التغير، دعني أذكرك بأن الرجل الحرباء قد غير لونه أربعمائة مرة خلال أربعين سنة.. فالثوري الذي بدأ محمرّا صار مخضرا ثم مصفرا، وعاد أحمر فاقعا، وأخضر صافيا ثم أحمر وأخضر وأصفر طيفا.. من الأشتراكية إلى الشيوعية، ومن الرأسمالية إلى الليبيرالية.. إرتدى ثوب القومية العربية، وغاب في بخور الثورية العالمية، ثم طفا في مسوح الأولياء، ولكنه عاد ومزقه ورماه قبل أن ينتزع نظارات "ريبان" الخضراء وينقلب حرباء كما كان. وكما تفعل الحرابي بين الأغصان قفز من اليمين إلى اليسار ثم رنا من الوسط ونفخ أوداجه لكي يبدو أكبر من حجمه، وأعلن أنه رب كل هذه الغابة.

أنت ترى عبد الناصر، ثم فجأة كما في المرايا السحرية ينقلب إلى ستالين ثم إلى ماوتسي تونج ثم إلى كاسترو وجيفارا ثم بعد أن يستنفذ جميع ما في جعبة "ماركس وآنجلز" يصبح "جون لوك، وروسو" العصر ينادي بالحرية، ثم ينقلب إلى "سيمون دي بفوار، وجان بول سارتر" فيصير وجوديا ينادي بالأباحية والرقص والعربدة. لقد تفوق "إشكالون الحرباء" على كل الحرابي فوق البسيطة وخدعها حتى ظنّت أنه منها لكنه لم يتخل أبدا عن اللون الأزرق الموروث رغم تمويهه باللون الأخضر.

وقبل أن نأتي إلى فلتة الزمان "سيف بن فلان" دعني أتذكر معك مثلا إنجليزيا يقول أن "ذاك الرجل مثل أفعى في العشب."

كنت صغيرا حين سمعت ذاك التشبيه المثير، ولم أكن على دراية تامة بما تفعله الأفعى القرناء أكثر من أنها ينقض عليك كي تلدغك.. وحين أتحفنا الزمان "بسيف بن فلان الثعبان" عرفت بلاغة هذا المثل العميق في معناه. "سيف بن فلان" يمثل بديل الثعبان في عالم الأنسان.. الرأس الأملس الذي يحتوي على قرنين غير مرئيين يصلح للأختباء بين الأحراش، والعينان المندستان كنقطتي سائل خلف النظارات المحرشفة، والفم المحفور بدقة إزميل والذي يحضن أنيابا مقوسة كلها من مظاهر هذه الزواحف الكريهة.. ولقد حبى الله الأفعى بقدرات تعوضها عن جهاز السمع الضعيف، ولكنه أعطى "سيف بن فلان" أذنين تنفران عن باقي التقاطيع بلفّة طبيعية تتقوقع لتلتقط الأصوات الموشوشة.
ورغم أن الشكل ليس من صنع الأنسان إلا أن العلماء قالوا أن أشكالنا وسيماءنا تشي بطريقة حياتنا وتفكيرنا، وهي ولا شك الصورة الحقيقية لما تحمله ضمائرنا.. وإن كنت لا تصدق هذا التحليل الذي نقلته لك عن المجلات المتخصصه فتمعّن فيما قلته أعلاه وطبقه على "سيف بن فلان."

تسلل سيف إلى قلوب المخدوعين بحمله لواء الأصلاح والتغيير، وزحف بين الخرائب والأطلال كما تفعل الزواحف ليرينا رأسه اللامع ويتمسكن كأفعى هدّها البرد، وشل حركتها طالبا الألتفاف بوسطنا حتى يضمن دفئا شحيحا فقدناه من النوم في العراء سنينا طويلة.. وكما في قصة الرجل البسيط الذي ولا شك أنك سمعتها في صغرك دبّت الحرارة في جسد الأفعى المتخفية ، فتذكرت طبعاه، وفطنت إلى أصلها، فأخذت تضغط على وسط الرجل المسكين حتى قطمته.
لكم تمثل هذه القصة الصغيرة حكايتنا مع "سيف بن فلان." ثعبان صغير من عائلة الزواحف يندسّ في العشب ويهسّ بصوت واه كي تسمعه طيور الحديقة فتأنس إليه، فيخرج لسانه الرطب يتحسّس مكمنها ثم يرتمي عليها بكل ثقله كي يزدردها.

هذا الثعبان البشري تكوّر وتمطى، وانكمش وامتد، وصكّ ولوّح بنابيه اللذين إندسا بقدرة قادر في إصبعيه ثم كمن يننتظر فريسته الغافلة.
شيء واحد نسيه "سيف بن فلان الثعبان؛" إن التخفي بالملابس العصرية لا يتناسب والأحتماء بالعشب.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق