الثلاثاء، 5 أبريل، 2011

موسى إبراهيم الناطق باسم حكومة القذافي.. يخفي لقب انتمائه إلى قبيلة زعيمه

أمضى 15 عاما في لندن.. ومتزوج من ألمانية ولديه ملف في جهاز المخابرات الأردنية
خالد محمود : سلطت ثورة الغضب الشعبية، التي يواجهها نظام الزعيم الليبي العقيد معمر القذافي منذ 17 فبراير (شباط)  الماضي، الضوء على وجوه جديدة داخل الدائرة المحيطة بالعقيد.


وفوجئ الكثيرون في ليبيا وخارجها بظهور موسى إبراهيم، الذي بات يشغل منصب الناطق الرسمي باسم الحكومة الليبية، ويمارس مهام وزير الإعلام. الرجل الذي لم يكن يعرفه معظم الليبيين بات وجها مألوفا في صدارة المشهد الإعلامي والسياسي الليبي، بعدما ظل مجهولا لسنوات وحتى قبل أيام قليلة من اندلاع موجة الاحتجاجات التي تطالب القذافي بالتنحي عن السلطة. في فترة محدودة قفز اسم موسى إبراهيم من المجهول إلى دائرة الضوء، معلنا عن نفسه كأحد أبرز المسؤولين الحكوميين في ليبيا، وباستثناء ظهور القذافي ونجله سيف الإسلام، فوجه موسى أصبح محفوظا للجميع كأحد نجوم إعلام الأزمة الليبية.

في البداية ظهر موسى، الذي ينتمي إلى عائلة وقبيلة العقيد القذافي (القذاذفة) كمترجم من اللغة الإنجليزية التي يجيدها إلى العربية إلى جوار بعض المسؤولين الحكوميين من بينهم موسى كوسا، وزير الخارجية المنشق حديثا عن نظام القذافي ونائبه خالد كعيم، والناطق باسم الجيش الليبي.

لاحقا، تم تقديم موسى لممثلي وسائل الإعلام والصحافة في العاصمة الليبية طرابلس على أنه الناطق الرسمي باسم الحكومة الليبية؛ حيث يطل موسى بشكل شبه يومي عارضا وجهة نظر حكومة القذافي تجاه التطورات الراهنة، ويرد على تساؤلات واستفسارات الصحافيين ووسائل الإعلام الأجنبية. وخلف موسى في هذا المنصب، الصحافي الليبي محمد عمر بعيو، الذي تخلى عن منصبه الرسمي أيضا كأمين للهيئة العامة للصحافة عقب اندلاع الثورة الشعبية منتقدا ممارسات نظام القذافي ضد المدنيين العزل.

وكتلميذ نجيب لنظام يحكم ليبيا منذ 42 عاما، أظهر موسى براعة لا يحسد عليها في محاولة إقناع وسائل الإعلام والرأي العام في ليبيا وخارجها بما يردده نظام القذافي في مواجهة الدعوات المطالبة بتخلي العقيد عن السلطة. وبينما ينظر إليه البعض على أنه محامٍ بارع للشيطان، يقول مسؤولون ليبيون إنه وجه مقبول أراد من خلاله نظام القذافي تقديم نفسه إلى العالم.

ولا يعرف الكثير من الليبيين أن موسى إبراهيم الذي يحرص على إخفاء لقبه الأخير (القذافي) ربما لعدم إعطاء انطباع بأنه من عائلة العقيد القذافي، أمضى 15 عاما من عمره في بريطانيا، وأنه متزوج من سيدة ألمانية ولديهما طفل واحد. وينظر البعض إلى موسى القذافي على أنه «صحاف ليبيا الجديد» في إشارة إلى محمد سعيد الصحاف، آخر وزير إعلام لنظام حكم الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، الذي اشتهر في مؤتمراته الصحافية بتعبيرات غير مسبوقة ما زالت في الذاكرة أشهرها كلمة «العلوج»، في إشارة إلى القوات الأميركية والبريطانية التي غزت العراق لإسقاط نظام صدام حسين عام 2003.

ثمة تشابه بين الرجلين في مضمون الأداء، لكن موسى يصغر الصحاف بعدة عقود، ويجيد اللغة الإنجليزية، التي يتلعثم فيها الصحاف بعض الشيء. ويردد موسى، بشكل دائم وفي ثبات وبطلاقة، مقولات القذافي، في دفاع مستميت عن نظام بدأ يتهاوى ويفقد ولاء أكثر المقربين منه وكبار مسؤوليه الحكوميين. تتعلق مهمة موسى القذافي بمحاولة تجميل النظام الليبي، والرد على مناوئيه ومعارضيه، وتفنيد حججهم في محاولة لإظهار أن نظام القذافي ما زال قادرا على ضبط الأمور، أو هكذا يفترض. وفي ظل غياب معظم أعضاء الحكومة الليبية التي يقودها الدكتور البغدادي المحمودي، بات موسى القذافي محط الأنظار؛ حيث يلاحقه الصحافيون على الدوام للحصول على تعليق أو رد على ما يجري في ليبيا وحولها.

أمضى الرجل، الذي وُلد عام 1974، خمسة عشر عاما من عمره في العاصمة البريطانية لندن، حتى إنه يتباهى بمعرفته أدق تفاصيل شوارعها وحياتها اليومية. لكن موسى، الذي اعتاد السفر إلى لندن معظم الوقت، لم يختلط بالجالية الليبية المقيمة هناك ومعظمهم من المعارضين لنظام القذافي؛ حيث دأب على العزلة وعدم الاختلاط. ودرس موسى القذافي العلوم السياسية في جامعة إكستر بالمملكة المتحدة، ثم أكمل مسيرته الأكاديمية محاولا الحصول على الدكتوراه في فنون الإعلام من كلية رويال هولواي، جامعة لندن؛ حيث أنهى امتحانه النهائي في مايو (أيار) الماضي. ويحمل إبراهيم لقب دكتور، على الرغم من أنه لم ينل بعدُ شهادة رسمية من جامعته بانتظار استكمال مناقشته لرسالة الدكتوراه.

ثمة من يقول إنه يحمل الجنسية البريطانية نظرا لطول بقائه في بريطانيا أو الألمانية، بلد زوجته، لكنه في الأحوال كلها ما زال يدين بالولاء الكامل لنظام القذافي سواء على المستوى الشخصي أو القبائلي. من يعرفونه يقولون إنه شخصية جادة يهوى الحياة بالطريقة الغربية، لكنه أبدا لا يرتدي رباط عنق مثل معظم المسؤولين الحكوميين وربما على الطريقة الإيرانية. ومع ذلك فقد تعرض موسى للتحقيق في مقر جهاز المخابرات الأردنية؛ حيث أمضى ساعات وهو يخضع لتحقيق أمني على خلفية وجوده في سيارة ميني باص مع بعض زملائه من الجامعة خلال رحلة إلى العاصمة الأردنية عمان عام 2000. وقتها اشتبه رجال الأمن في الرجل الذي يصور بكاميرا الفيديو التي يحملها أمام مقر السفارة الأميركية، بينما كانت السيارة تمر من أمامه، ليصعد على الفور مسؤولون ويقتادونه للتحقيق في واقعة ما زالت تفاصيلها محجوبة بملفه السري داخل أحد أدراج مكاتب جهاز المخابرات الأردنية في عمان. وعلى الرغم من أنه يبدو مبتسما معظم الوقت وهو يجاهد لكظم غيظه وضبط ملامحه أمام الأسئلة القاسية للصحافيين الموجودين في طرابلس التي تبقى بلا إجابات، فقد بدا موسى محتدا وهو يرد على محاولة «الشرق الأوسط» تكرار الاتصال به لإجراء حوار خاص.

هذا ملمح آخر في شخصية الرجل الذي اختاره القذافي من العدم ليكون الناطق الرسمي باسم حكومة لم تعد موجودة فعلا، وانشق عنها أبرز وزرائها السياديين (الداخلية، عبد الفتاح يونس، والعدل، مصطفى عبد الجليل)، بينما اختفى وزير الدفاع الفريق أبو بكر جابر يونس، ورئيسها نفسه البغدادي المحمودي. وبينما يواجه القذافي ما يعتبره الكثيرون «معركة عمره» دفاعا عن تاريخه الطويل وسمعته السياسية وعن عائلته وقبيلته ونظامه السياسي، يبدو أن أحدهم في طرابلس ما زال مستعدا للعب دور المحامي والإعلامي لهذا النظام. لا يعرف أحد ماذا سيكون مصير موسى إبراهيم إذا سقط نظام القذافي، لكن من المؤكد أنه سيظل لفترة طويلة في أذهان الكثيرين، ليس فقط لكونه أول مسؤول ليبي يتحدث علانية عن مشروع سري لبقاء القذافي رمزا مع إجراء إصلاحات دستورية رفضتها المعارضة الليبية ودول التحالف الغربي، لكن أيضا لأنه أول مسؤول ليبي يعلق على قضية إيمان العبيدي، تلك السيدة الليبية التي اتهمت كتائب القذافي الأمنية باغتصابها في طرابلس.

وإذا قرر موسى القذافي أن يكتب ذات يوم قصته أو يحكي مذكراته، فمن المؤكد أيضا أن لديه الكثير من الأسرار والحكايات التي لن تفاجئ أحدا في بلد اعتاد أهله على التباهي دوما بأن «من ليبيا يأتي كل جديد»!

جريدة الشرق الاوسط

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق