السبت، 12 مارس، 2011

القذافي لبس ثوب المناصر لإفريقيا ليستثمرهم في "حرب بالوكالة"

باحث كويتي يحذر من حمّام دم ينتظر الشعب الليبي إن لم يُردع القذافي
الكويت - العربية.نت

في ضوء التطورات الميدانية العسكرية في ليبيا بين الثوار وقوات الزعيم معمر القذافي، فضلاً عن ضبابية المشهد تجاه توقيت إسقاط طرابلس والسيناريوهات السابقة والمترافقة مع هذا الحدث،
أكد الباحث الكويتي في الشؤون السياسية والإعلامية عبدالرحمن المسفر العجمي أن حسم معركة طرابلس لصالح الثوار يخضع لجملة من الاعتبارات المعقدة والمتشابكة، لعل من أبرزها قراءة تاريخ نظام القذافي الدموي والمنعطفات الخطرة واللامسؤولة التي أقحم خلالها القذافي الشعب الليبي ومقدراته فيها.

وعدد الباحث جانباً من ذلك التاريخ بالإشارة أولاً للحرب التي أقحم فيها القذافي بلاده، ودامت عدة سنوات في تشاد، فضلاً عن استفزازه للنظام المصري في عهد الرئيس الراحل أنور السادات وقيام الحرب بين البلدين المتجاورين، والتي أطلق عليها حرب الأيام الخمسة، حيث امتدت من 21 يونيو إلى 25 يونيو من عام 1977، وكذلك ارتكابه لحماقة إسقاط طائرة مدنية أمريكية فوق مدينة "لوكيربي" في اسكتلندا عام 1988، وما نتج عن ذلك من ويلات أصابت الشعب اللليبي ومقدراته، ناهيك عن ضلوعه في دعم عمليات إرهابية وإمداد خلايا تنظيمية بالمال والأسلحة بهدف القيام بأعمال عدائية تجاه بعض الدول والجماعات والشخصيات، بحسب تأكيدات مبنية على أدلة من قبل أجهزة مخابرات أمريكية وغربية ومنظمات حقوقية وإنسانية عالمية.
ويؤكد العجمي أن هذه الوقائع "تجعلنا على يقين بأن نظام القذافي يمكنه أن يستعمل كل الأوراق غير المشروعة للبقاء في السلطة بأي ثمن، حتى لو كان من خلال إبادات جماعية للمدنيين، وهو ما شاهدنا صوراً منه بالفعل"، منوهاً بأنه من غير المستبعد أن تتسع رقعته وآثاره في الأيام القليلة المقبلة.

ويلفت إلى أن مجريات المواجهة ما بين الثوار وكتائب القذافي كشفت عن كثير من الخفايا المجهولة، ومن أهمها محاولة القذافي في السنوات الأخيرة استمالة دول إفريقية والإغداق عليها بمزاعم ظاهرها تحريرهم من الفقر والاستعباد والتخلف والنهوض بهم، وفي جوهرها - كما تبين في الأحداث الحالية - أنه بدأ يستعمل ورقة البعد الإفريقي في معطى خطير جداً، وهو "الحرب بالوكالة"، حيث جند أعداداً من المرتزقة الأفارقة منذ سنوات للقيام بأدوار هجومية ودفاعية لحماية نظامه في أي وقت يطلب منهم ذلك.

وأردف العجمي: "هذا يعني أن القذافي ونظامه كانوا يعلمون بأن الشعب الليبي وفعالياته القائدة لأي حراك ثوري مقبل سواء كان في الداخل أو الخارج سوف تستعصي عليه حينما تجد المناخ السياسي المناسب والفرصة الميدانية المواتية، ولذا يمكننا أيضاً أن نستند إلى أن القذافي قد أفرغ القوات المسلحة الليبية من طاقتها الفعالة وقدراتها المفترضة للدفاع عن الجغرافيا الليبية وذلك باختيار أبرز عناصرها وعتادها وإعادة تنظيمه لما اصطلح عليه بالكتائب الخاصة. وهي كتائب مسلحة بعتاد متطور وثقيل ومتنوع يجمع ما بين دبابات المعركة الرئيسية الثقيلة "Main Battle Tank"، وأيضاً عربات القتال المدرعة ومدافع الميدان ذاتية الحركة وراجمات الصواريخ والمروحيات المهاجمة المضادة للدروع وطائرات الإنزال الجوي، فضلاً عن تشكيلات المظلين والقوات الخاصة وقوات الاقتحام، علاوة على بطاريات الدفاع الجوي المسماه بـ"سام" وطرازاتها التي باتت معروفة مثل "سام 3" و"سام 6"، إضافة إلى احتفاظه بعدد هائل من الطائرات المقاتلة ومعظمها من صناعة روسية مثل "الميغ" و"السوخوي" وقليل منها كالصناعة الفرنسية "ميراج".

ويرى الباحث أن "هذا يعطينا مؤشراً بأنه في معادلة التوازن العسكري بين الفريقيين (الثوار وقوات القذافي) فإن الأخير يتفوق من الناحية النظرية وبعض النواحي العملية على الثوار سواء على مستوى التسليح ونوعه، أو على مستوى شبكة الاتصالات والحرب الالكترونية التقليدية (إلخ..). غير أنه، وبحسب المواجهات الميدانية، اثبت افتقاد قواته للروح المعنوية كون أن غالبية عناصرها من المرتزقة ومن مختلف الجنسيات. فهم يقاتلون من أجل المال لا من أجل عقيدة قتالية أو أهداف مبنية على أسس دينية أو وطنية. وحتى أولئك الموالين له من الليبيين سرعان ما يستسلمون أو ينهزمون والدليل على ذلك المحاولات الفاشلة من قبل كتائب القذافي والمتكررة في اختراق مدينتي مصراته والزواية أو رأس لانوف وبن جواد".

وأضاف أنه على الرغم من أن نظام القذافي مازال يستعمل التضليل داخلياً وخارجياً وبعض التكتيكات الإعلامية والمعنوية والإغوائية مثل: نفيه لشائعات سيطرة الثوار على المدن الليبية وإظهاره لمؤيدين له في الساحة الخضراء بطرابلس بما يوحي بأن غالبية الشعب الليبي مازال معه، وإن كان قد تناسى أو غفل عما تنقله وسائل الإعلام المختلفة.

على الصعيد الميداني، لفت العجمي إلى أن القذافي غيّر أخيراً خططه العسكرية من الدفاع عن طرابس إلى الهجوم على معاقل الثوار، وحاولت كتائبه المسلحة استخدام تكتيكات عسكرية، تسمى بـ"المشاغلة العسكرية"، وهي عبارة عن عمليات كرّ وفرّ، كما حدث في الزاوية ومصراته ورأس لانوف وبن جواد وغيرهم، وهو يهدف من ذلك إلى أمرين مهمين: الأول: إطالة أمد المعارك مع الثوار من أجل خلق مفاجآت عسكرية تكون في صالحه، أو محاولة اختراق جبهة الثوار عن طريق فتح مجال للتسويات والحوار، وهو ما يعني شق صف المعارضة والثوار واختراقهما، وهو بظنه ما قد يؤدي إلى حرب أهلية بين فريقين. الأمر الآخر هو محاولة التقاط الأنفاس من قبل كتائب القذافي وحشد قواها وإعادة تأهيل خطوط إمداها العسكرية، واستخدام فرصة عدم تطبيق عقوبات حظر الطيران في جلب المزيد من المرتزقة للقتال بجانبه، وكذلك اقتناء المزيد من الأسلحة والذخائر وقطع الغيار من سوق السلاح السوداء، وهو هنا يحاول إبطاء تقدم الثوار نحو طرابلس ووضع عراقيل شديدة أمامهم للدخول إلى سرت مسقط رأس القذافي التي تحتوي على كثافة كبيرة من قبيلة القذاذفة التي ينتمي لها الزعيم الليبي، وكذلك منع وصول الثوار لمدينة سبها الاستراتيجية. وقد استعمل القذافي في سبيل تحقيق هذه الاستراتيجية ضربات جوية عنيفة على الثوار وإلحاق أضرار بالغة بأفرادهم وعتادهم، كما شاهدنا في القصف المكثف على مدينة بن جواد قبل أيام، وهو ما أجبر الثوار على الانسحاب التكتيكي قليلاً منها وإعادة حشد قواتهم مرة أخرى من رأس لا نوف والانطلاق مجدداً لتحرير بن جواد ليتمكنوا من تخطي الوادي الأحمر ثم التوجه إلى سرت وفي خط مواز إلى سبها، حيث أفادت الأنباء وجود انشقاقات في صفوف بعض الكتائب الموالية للقذافي في سرت على وجه التحديد.

وأشار إلى أن القذافي نجح في تدمير طائرات مقاتلة وعمودية في المطارات العسكرية في المدن الشرقية التي سيطر عليها الثوار، في بن غازي وطبرق وغيرهما وذلك لعزل الثوار عن استخدام القوة الجوية، حتى يحدث عدم تكافؤ في موازين القوة بينه وبينهم، مبيناً أن القذافي يعتمد في الوقت الحاضر على القاعدة الجوية المسماه "المعتيقة" في طرابلس وبعض المهابط في مدينتي سرت وسبها.

ويرى مراقبون عسكريون واستراتيجيون أنه من دون امتلاك الثوار قوة جوية أو وسائل دفاع جوي متقدمة خلافاً للمضادات الأرضية التي يستعملونها حالياً أو تلك الصواريخ المضادة للطيران المحمولة على الكتف، فإن حسم المعركة بين الفريقين ستكون رهينة لجملة من التحديات التي يصعب التكهن بنتائجها أو توقيتها، بحسب ما يقول العجمي. ويتابع: "إن عدم التسريع في تطبيق حظر الطيران فوق الأجواء الليبية سيكون إلى حد ما لصالح قوات القذافي، لافتاً إلى أنه على الرغم من أن فكرة التدخل العسكري الأجنبي بالنسبة للمعارضة الليبية بكل مظاهرها وصورها سواء كانت عبر قوات برية أو على سبيل توجيه ضربات استئصالية لأبرز المواقع الحيوية لكتائب القذافي وطائراته ودفاعاته الجوية وكذلك العمل على إسقاط ما يحلق من طائراته على الرغم من ذلك كله فإن ثمة مؤشرات تؤكد عدم ممانعة غالبية المعارضة الليبية للتدخل الأجنبي، لكن بشكل ضربات جوية فقط، دون تدخل جيوش أو قوات برية إلى الأراضي الليبية، وهذا يمكن أن يكون مقبولاً وإن كان على مضض".

وبسؤال حول الخيارات المتاحة أمام القذافي والثوار، قال الباحث السياسي الكويتي إنه "مازال لدى قوات القذافي ما يمكن أن تفعله، فالقذافي إذا لم يتم ردعه، فإنه من المحتمل أن يكثف ضرباته الجوية وبشكل عشوائي للمدن التي تقع تحت سيطرة الثوار كما نرى في مدن الزاوية ومصراته ورأس لانوف وبن جواد، وهو ما يجعل مصطلح الإبادة الجماعية مصطلحاً واقعياً.

كما أنه من غير المستبعد استخدامه أسلحة محرمة دولياً، محذراً من أن السيناريو الأكبر خطورة يظل في جعل سكان طرابلس الذين يفوق عددهم بحسب التقديرات الأخيرة مليون ونصف نسمة دروعاً بشرية، ما يعني أن تتحول طرابلس إلى "حمام من الدم". وعلى هذا الأساس ينبغي أن تكون خطط العمليات العسكرية التي يخوضها الثوار وهم في غالبيتهم مدنيون متحمسون مدروسة وموجهة من قبل قيادات عسكرية ليبية متمرسة وكفؤة، ولذا فإن هناك مهمة جسيمة ملقاة على عاتق المجلس العسكري الانتقالي في بني غازي للقيام بواجباته المرحلية، التي تتطلب تقديراً واقعياً لموقف العمليات العسكرية في الميدان وظروفها وتطوراتها وسيناريوهاتها وفق المعطيات على الأرض، وإلا سوف يكون الوصول إلى طرابلس على حساب المزيد من أشلاء الشعب الليبي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق