الأحد، 27 فبراير، 2011

ملك ملوك أفريقيا تتساقط آخر رياش طواويسه

بقلم د. محمد عبد الرحمن يونس
القبائل الليبية قبيلة قبيلة تخرج عن طاعة زعيمها الكبير، وطاووسها ، أكبر طواويس العالم المعاصر، وهاهم ضباطه يستقيلون واحدا بعد الآخر ، وبعض وزرائه الشرفاء يدركون مدى خطورة نظامه الاستبدادي على أطفالهم ، وأطفال ليبيا بعامة، وها هو  القذافي يصفي الشعب الليبي تصفية عرقية لم يشهدها القرن الواحد والعشرون بعد،

وها هم سفراؤه وأعضاء بعثاته الدبلوماسية يستقيلون واحدا تلو الآخر بعد أن شعروا أن زعيمهم استنفر طاقاته العدوانية والاستبدادية ضد أفراد شعبه. وأنه مستعد لتصفية الشعب كله، أمام استنفار نزواته العدوانية والتدميرية الباطشة .
وعلى الرغم من كثرة القتلى والجرحى، وهمجية قوات القذافي وحراسه، إلاّ أنّ ردود المجتمع الدولي لا تزال خجولة جدا، إزاء هذا النظام الباطش الوحشي. لو مات شخص واحد في المجتمعات الأوربية المعاصرة لهاجت منظمات حقوق الإنسان، والمنظمات المدنية والحقوقية الأخرى دفاعا عن هذ ا الشخص وإدانة لمن قتلوه . أمّا وأن يموت الشعب
الليبي بأكمله، فهذا لا يهم المجتمع الدولي، ولا منظمات حقوق الإنسان فيه.
المفوضية العليا لحقوق الإنسان لا تعلم ما يجري في ليبيا ، من قتل وجرائم وحشية، حتى الآن كما صرح المسئولون فيها . فعجبا أين هذه المفوضية عمّا يجري من مآس في العالم ، وانتهاك لحقوق الإنسان. !!
والمخجل هذا الصمت العربي الحكومي، بمعظم مؤسساته، ودوائره السياسية، وكأنّها تتواطأ جميعها مع جرائم القذافي، وإلاّ فأين ردود أفعالها؟ وكأن الليبيين ليسوا عربا، وليسوا إخوة لنا.
إننا لا نستغرب هذا الصمت، لأن المنظمات العربية الرسمية هي آخر المنظمات التي تدافع عن الإنسان العربي، وحقوقه، وكرامته، وإنسانيته.
القذافي يمعن فتكا وتدميرا، بالأهل والضرع والزرع والحرث، وبقوانين المجتمع الدولي وبأعراف القبائل، ويكذب علنا هو ابنه وابنته ونظامه كله، ويهدد علنا بأنه سيطهر المجتمع الليبي بيتا بيتا، وزنقة زنقة، وقبيلة قبيلة، من أشرار الثورة والمتمردين، والمنظمات العربية صامتة، وكأنها تبارك كلّ هذه الوحشية والتدمير.
الأطفال والأبرياء والشيوخ والشباب العزل تقطفهم طائرات القذافي ودباباته وأسلحته الثقيلة، ولم يجتمع العرب بعد لإدانة هذه الجرائم الوحشية، والتفكير بما يمكن أن يساعدوا به الشعب الليبي الشقيق الأعزل. إنهم غارقون في سباتهم العميق، وكعادتهم أمام الأزمات الحادة، والمصائب والشدائد التي تصيبهم، إنهم غارقون في فرقتهم، في سرّائهم، وضرّائهم.
لك الله أيها الشعب الليبي العظيم، الذي سيُسقط القذافي قريبا جدا ـ إن شاء الله ـ على الرغم من حصونه وطائراته ، وترساناته العسكرية، ولا بدّ وأن يسقط ، عاجلا أم آجلا، بعد أن انكشفت حقيقته الدموية، وبطشه، وغروره، وآفاق جنون عظمته.
لو كان في الرجل ذرة عقل واحدة، لاستقال منذ بداية الثورة. لقد كان  المخلوعان : زين العابدين بن علي، وحسني مبارك أكثر حكمة منه، على الرغم من بطشهما واستبدادهما، فهربا بجلديهما حاملين مليارات الدولارات ، و موزاين الذهب والفضة والألماس ، من قوت الشعب وثرواته المنهوبة.لقد وعيا أنهما لا يمكنهما الوقوف أمام مدّ الثورة العظيم وتناميها، واتساع شرارتها الحارقة، فهربا تلاحقهما لعنة الشرفاء  والمقهورين من شعبيهما، وقد تخلّى عنهما معظم المقربين منهما. أمّا القذافي ـ بجهله وغروره وعنجهيته ـ فلا يزال يكابر ويقامر على أحلام شعبه، وقبائله، والأغرب من ذلك أنه يدعو شعبه الذي أحبه أن يخرج للدفاع عن مكاسب ثروته. فأي مكاسب لثروة يتبجح صاحبها بأنها قامت على أكتافه؟ لقد ظلّ طيلة اثنتين وأربعين سنة يسرق مكتسباتها وخيراتها، هو وعائلته، وأعوانه من النظام والباطشين. ألا تكفيه (42) سنة من النهب والسلب واغتصاب أحلام البسطاء والشرفاء والمقهورين؟ ألا يكفيه كل ما اختلسه ، هو وأولاده وعشيرته، وأعوانه الطغام؟
ومن شدّة جهله وغروره، لا يزال يعتقد أنه محبوب من شعبه، وهو وابنه وابنته عائشة، عندما تتبجح قائلة أمام الإعلام الرسمي الليبي : أنها محبوبة من الليبيين والليبيات ـ أصدقائها الكثيرين .             ليبيا تصرخ مستغيثة ـ من شرقها إلى غربها، ومن برها إلى بحرها ـ   مضمّخة  بدمائها ، وثوارها الأبطال، وهاهم وزراؤه وسفراؤه يستقيلون واحدا واحدا، وها هو بجهله وغطرسته، لا يزال يعتقد أنه زعيم مخلص للثورة، وأنه ليس رئيسا، بل زعيما كبيرا، بل ملك ملوك أفريقيا كلها ، وزعيم زعماء ثوار العالم، كما يحلو له أن يسمي نفسه بهذه الأسماء الكبيرة. وها هو يسفر عن أنيابه الكاسرة، وذئبيته مستقدما مرتزقة أفريقيا ، ومغدقا عليهم الأموال الطائلة ـ كل يوم ألفا دولار أمريكي ـ كما تذكر بعض وسائل الإعلان ، حتى يفتكوا  بأبناء شعبه، فتكا  لم يشهده القرنان : العشرون والواحد والعشرون.
ووجهاء ليبيا وعشائرها وقبائلها يصرخون: ارحل أيها الطاغية، تكفيك ( 42) سنة من تهميشنا ، وسرقة قوتنا، وقوت أطفالنا، ومستقبلهم،  وقتلنا، وسفك دمائنا. غير أن حجّاج الزمن المعاصر ، ملك ملوك أفريقيا، أطل من شرفة حصنه المنيع، صارخا في وجوههم: والله سأقتلكم فردا فردا، وأطهركم من أحلامكم التي تتخيل الثورة والحرية ، قادمتين ـ وبلا شك ـ ، والله لم استعمل القوة بعد، ومستعد لأن أسيل دماءكم بين الجماجم واللحى، وأثكلكم بيتا بيتا، وزنقة زنقة.
طيلة (42) سنة من الثراء الفاحش، والثروات النفطية الهائلة التي تغدقها الثورة، لم يعمل هذا الطاغية على أن يقود شعبه إلى آفاق الحرية والمعرفة، وبناء المجتمع المدني، وبناء المؤسسات المدنية الحضارية، التي من شأنها أن ترقى بهذا المجتمع إلى مصاف المجتمعات الحضارية، بل عمل على تكريس كل ّ فرز القبائل والعشائر والطوائف المعرفي، من تعصب واقتتال وفرقة وخصومات، هذا الفرز الذي فتك بوحدة المجتمع الليبي وحاضره، وعزّز من سطوة ملك ملوك أفريقيا وبطشه من جهة ثانية. إذ ظلت أعراف القبيلة والعشيرة والطائفة هي المتشرذمة، في حين غابت القوانين المدنية والحقوقية ، والمنظمات المدنية الحضارية .
وها هو في حصنه الأخير، يستحث هذه القبائل حتى تدافع عنه، مستنفرا عصبيتها ، غير أن هذه القبائل استنفرت بقايا دمائها التي لم تتلوث بعد، معلنة رفضها، واستنكارها لجرائمه، معلنة انحيازها إلى الثورة الليبية الجديدة. إنه لم يستطع ـ بأفقه السياسي الضحل، قصير النظرـ  أن  يدرك مدى التغيرات الجديدة التي بدأت تعصف بالمجتمعات الحديثة، وتهزّ بنياتها السابقة، مطالبة باستحداث بنيات جديدة ومغايرة، وأكثر قدرة معرفية، وحرية، وعطاء إنسانيا يخدم الإنسان المعاصر، وأفقه في التغيير وإحداث المتباين والمتغاير في ما شاهده، وعانى منه طيلة (42) سنة.
لقد عاش القذافي وعائلته في دوامة من النفاق و الكذب على الشعب الليبي. وها هو ابنه سيف الإسلام، وتلميذه الوفي في الفتك والطغيان،  يكابر، ويدعو الصحافيين العالميين لزيارة ليبيا، فأين سيخفى كل جرائمه وجرائم والده؟ هل سيستطيع إخفاء كل جثث القتلى والشهداء البريئة التي دفعت حياتها ثمنا لحريتها وخلاصها، وخلاص أطفالها؟ هل سيرسل مرتزقة أفريقيا حتى يخفوا هذه الجثث، ويدفنوها في أماكن مجهولة قصية، لا يستطيع أن يعرفها أحد، باستثناء القذافي وطغاته، وأعوانه المرتزقة.
لفّق القذافي وعائلته طيلة(42) سنة سجلا حافلا بالكذب، وأقنعوا أنفسهم أن حبال كذبهم ستظل طويلة، وماداموا على قيد الحياة، فهم من أقاموا بالثورة، وهم بانوها، وبالتالي هم أولى بسرقة مكاسبها، واستثمارها لمصالحهم الخاصة،  وأعلنوا  لشعبهم محذرين مهددين  بأنهم الزعماء الأقوياء، وأنه التابع لهم، فها هو سيف الإسلام يتبجح قائلا : نحن القانون ونحن الدستور، ونحن الذين نصوغ الدستور، ونحن النظام. وغاب عن عقليته الاستبدادية أمكانية الشعب الليبي العظيمة في القدرة على كشف أكاذيب زعيمه، وفي القدرة على الثورة على هذا الزعيم. وها هو هذا الشعب يفاجئ سجّانه المستبد بالثورة عليه، مصمما على دحره، وإخراجه من حصنه الحصين، وآخر معاقله في طرابلس الغرب.
وتتلاحق الأحداث، ويسقط المزيد من الشهداء، وتزداد آلة الحرب القذافية فتكا وتخريبا، وها هو سيف الإسلام يعود ثانية لتضليل الرأي العام، كاذبا على شعبه وعلى شعوب العالم الأخرى قائلا : غدا سنفتح بلادنا لكل صحافيي العالم ، متحدين العالم ، إن كانت طائراتنا قد قصفت الأبرياء، وقتلتهم، وإن الذين ماتوا في ليبيا عدد محدود جدا. ألا يخجل هذا الطاغية الصغير من كذبه،  فآلاف القتلى تساقطوا منذ بداية الثورة، ومرتزقته، هو ووالده، يستمرئون قتل الأطفال والنساء والشيوخ الأبرياء، بلا هوادة ولا شفقة، فأين يضع وجهه؟ ومن سيصدّقه وهو يرى كلّ هذا الخراب والفتك الوحشي الذي حلّ بالشعب الليبي ومدنه وقراه وبواديه؟  وهو يرى كل هؤلاء الأبرياء العزل يموتون فرادى وجماعات؟
القذافي سيطهر ليبيا من الصحراء إلى الصحراء، وشبرا شبرا، وزنقة زنقة، وسيقتل الثائرين عليه واحدا بعد الآخر ، كما صرح في خطابه، والحكّام سادرون في طغيانهم ، واستبدادهم، غافلون، أو متغافلون عن حقوق شعوبهم، ومطالبها في الحرية والكرامة، والعيش الآمن الكريم.
لقد اعتقد هؤلاء الحكام أن شعوبهم وبلدانهم ما هي إلاّ قطيعا من قطعانهم ، و عقارا من عقاراتهم، وهم أولى بملكيته أو بيعه أو حرقه، أو هبته لمن يريدون، من نسائهم وأعوانهم، وعشائرهم وقبائلهم.
وها هي هذه الشعوب تهبّ من رقادها الطويل، معلنة ثورتها، على مغتصبي خيراتها، وها هم هؤلاء المغتصبون والطغاة يتساقطون واحدا بعد الآخر. سقط زين العابدين بن علي، وما بقي منه وزوجته وعشيرته وأعوانه ، إلا صورة اللصوص المختلسين الذين ملأوا بنوك العام بأموالهم المنهوبة، وثرواتهم التي لا تعد ولا تحصى. وسقط حسني مبارك وما بقي من صورته إلا سبعين مليار دولار سرقها من قوت شعبه، وابتنى بها ، واشترى القصور في مدن العالم، سقط حسني وما بقي منه إلا وجه عائلته القبيح ودورها في نهب خيرات مصر، هبة النيل، ودور أعوانه من الطغاة والمستبدين في تهريب ثروات مصر، وإفقا رها فقرا أسطوريا ، لا يصدق.
وها هو ملك ملوك أفريقيا ، تتساقط رياش طواويسه ريشة ريشة، بعد أن صمم شعب ليبيا العظيم على اقتلاعها، ورميها إلى مزبلة التاريخ ـ قريبا إن شاء الله ـ . وها هو الشعب اليماني العظيم ، بدأ يفرد أوراق الفساد والظلم والجبروت، في صنعاء وعدن وتعزّ وحضرموت والضالع، وغيرها من مدن اليمن غير آبه برصاص زعيمه، وأعوان هذا الزعيم.
إن أوراق الديكتاتورية والطغيان العربية المعاصرة, وأحلامها بالاستعباد وقهر شعوبها  تسقط ورقة ورقة, وحلما حلما، وتتلهف أنظار العرب وفقراؤهم ومحروموهم ،  إلى مستقبل أكثر كرامة، متسائلة: سقط ثلاثة حكام عتاة طغاة عرب، ومن سيسقط قريبا ؟
ويرددون :
إذا الشعب يوما أراد الحياة           فلا بدّ أن يستجيب القدر
و(( إنّ غدا لناظره قريب)).
ولا (( عدوان إلا على الظالمين)).
ويرددون  المثل الشعبي الذي ينتشر في معظم الدول العربية : (( بشّر الزاني بالفقر، وديار الظالمين بالخراب))؟
(*) باحث وقاص وروائي وأستاذ جامعي
26 فبراير 2011   

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق