الثلاثاء، 15 نوفمبر، 2011

الإعدام غير القانوني في ليبيا
إيان بوروما
إن العديد يقولون إن العقيد معمر القذافي نال ما يستحقه، فمن يعيش بالسيف يموت بالسيف. لقد سمح الديكتاتور الليبي، وبكل سرور، بتعذيب أو قتل معارضيه أو أي شخص قام بإزعاجه،
لذا يبدو أن من العدل أن يموت عن طريق العنف خارج نطاق القضاء، فبعد مطاردته تم العثور عليه في أنبوب تصريف قذر، وقد جرى عرضه لاحقاً كجائزة مخضبة بالدماء، قبل أن يتم ضربه وإطلاق الرصاص عليه من قبل الغوغاء الذين كانوا يريدون إعدامه.
لقد حصل كل ذلك في مسقط رأسه في سرت، وهذه عدالة بدائية.. ولكن ما هي الطريقة الأخرى التي يجب أن نستخدمها من أجل تطبيق العدالة على من قام بالقتل الجماعي؟
هناك شيء مزعج للغاية في ما يتعلق بأي عملية إعدام خارج نطاق القانون بغض النظر عن الضحية، وحتى عندما كانت الجماهير المبتهجة في سرت وطرابلس تحتفل بموت الديكتاتور، كانت الشكوك تساور آخرين بسبب الأسلوب الذي تمت به نهايته المذلة.
لقد كتب المفكر الفرنسي الشعبي بيرنارد هنري ليفي الذي قام بالترويج للثورة الليبية بجرعة قوية من حب الظهور النرجسي، إن إعدام القذافي “قد أساء إلى البعد الأخلاقي الأساسي” لثورة الشعب.
من الممكن أن يجادل المرء في ما يتعلق بهذا الوصف، ففي كل الثورات العنيفة، فإن البعد الأخلاقي لمعارضي الديكتاتور لم يكن دائماً من دون عيوب.
إن الثوار الذين حولوا مسقط رأس القذافي إلى ركام، كانوا في بعض الحالات أشخاصاً قساة مثلهم في ذلك مثل الرجال الذين كانوا يحاربونهم.
لكن هناك شيئاً آخر خاطئاً في نقد ليفي، هو أن الحديث عن الإساءة إلى البعد الأخلاقي يعني أنه لم يفهم مغزى الموضوع.
نحن نريد الأشخاص الذين جعلوا الآخرين يعانون، أن يعانوا أيضاً، حيث يفضل أن تكون تلك المعاناة بالمقدار نفسه، فالعدالة دائما ماً تنطوي تقريباً على عنصر الانتقام.
إن المشكلة في الانتقام أنه يؤدي إلى مزيد من الانتقام، أي أنه يحرك دورة العنف والعنف المضاد.. ثقافة الثأر والثأر المقابل له بحد ذاتها، هي عمل ينطوي على انعدام القانون أكثر من كونه عملاً غير أخلاقي أو حتى غير عادل.
إن الثأر ينتعش في مجتمعات غير ملتزمة القوانين التي تنطبق بشكل متساوٍ على الجميع أو أية قوانين رسمية على الإطلاق.
إن ناموس الشرف ليس مثل حكم القانون، فبينما ليس بالضرورة أن يرضي حكم القانون حسّ العدالة عند شخص ما، فهو يوقف دورة الانتقام العنيف.
إن أثينا إلهة الحكمة وراعية أثينا تقرر أن المحاكمة العادلة فقط تكون مع هيئة محلفين تتكون من 12 رجلاً يمكن أن ترضي إلهة العقاب وتعيد السلام، ولكن من النادر أن تصل تلك المحاكمات إلى درجة الكمال، وفي تلك القضية كانت هيئة المحلفين منقسمة بالتساوي، ما أجبر أثينا على أن تنطق بالحكم وهو تبرئة أورستيس.
من الممكن أن هذا لم يحقق العدالة البدائية التي طالبت بها إلهة العقاب، ولكنها أسست لحكم القانون الذي جعل أثينا متحضرة.
من المؤكد أن الديمقراطية في أثينا لم تكن تشبه كثيراً الديمقراطيات الحديثة لدينا، كما أن أثينا القديمة لم تكن تشبه أيضاً طرابلس اليوم، وبالرغم من ذلك فإن مسرحية “ذا يومنيديس” تعطينا درساً مهماً مايزال قائماً وهو أن العنف ما لم يتم ردعه من قبل القانون لن ينتهي. إن الثورات التي تولد بعد سفك الدماء، دائماً ما تؤدي تقريباً إلى المزيد من سفك الدماء. لقد كان هذا الكلام صحيحاً قبل 2500 سنة ومايزال صحيحاً اليوم.
هناك قلة من الناس فهمت ذلك أفضل من الناشط الديمقراطي والمفكر البولندي آدم ميشنيك، وهو أحد الأبطال الذين ساعدوا في الثمانينات على إنهاء الديكتاتورية الشيوعية في بلادهم، فبينما طالب بولنديون آخرون بعدالة بدائية انتقامية ضد الحكام الشيوعيين والمتواطئين معهم، دعم ميشنيك المفاوضات والحلول الوسط والمصالحة وحتى مع من كانوا يقومون بالقمع. يعترف ميشنيك أن جميع الثورات تعدّ غير مكتملة بسبب أنه لا يُعاقب جميع المذنبين ولا يُكافأ جميع الأشخاص الشرفاء، ولكنه يقول إن هذه النتيجة تعني المزيد من العنف: “إن التعويض عن الأذى الذي تم التعرض له، عادة ما يؤدي إلى المزيد من الأذى، وعادة ما يكون ذلك أقسى مما أتى قبله”.
ولهذا السبب فإن حفلة إعدام القذافي خارج نطاق القانون هي نذير شؤم لليبيا، وكان من الأفضل كثيراً لو تم تسليمه حياً من أجل الحكم عليه في المحكمة. إن إجراء محاكمة جزائية في ليبيا كان يمكن أن تكون عملية صعبة. وإن حقيقة أن هناك ديكتاتورية دامت لمدة 42 سنة، لا توفر تربة خصبة للخبرة والتجربة الضرورية من أجل إجراء محاكمة محايدة، وربما كان من المستحيل على ضحايا الديكتاتور السابق الحكم عليه من دون تحيز، ولهذا السبب بالضبط تم تأسيس محكمة العدل الدولية في لاهاي.
ربما لم تكن محاكمة القذافي لترضي الليبيين وشعورهم بالظلم، ولكن كان يمكن أن تساعد على جعل الليبيين يشعرون باحترام أكبر لحكم القانون، وربما سيكون لمحاكمة ابن القذافي سيف الإسلام هذا التأثير، ولو صح ذلك فإن محاكمته في لاهاي سوف تكون أفضل خدمة يقدمها لبلاده.
(*) أستاذ في الديمقراطية وحقوق الإنسان في كلية بارد
«بروجيكت سنديكت»


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق