الاثنين، 14 نوفمبر، 2011

كيف نحقق السلم الاجتماعي فى ليبيا
سالم قواطين
كما هو معلوم، فإن علاج أي حالة مرضية أو قضية اجتماعية أو أزمة سياسية أو معضلة اقتصادية ...إلخ، تقتضى بالدرجة  الأولى تشخيصاً دقيقاً شاملاً للحالة التى تستدعى العلاج.

ونحن اليوم فى ليبيا، وبعد إنتهاء القذافى وإنهيار نظام حكمه، وإنتصار ثورة السابع عشر من فبراير، نتجه إلى بناء دولة ليبيا الحرة الحديثة الديمقراطية، دولة القانون والمؤسسات، والتى تقوم على العدالة والمساواة وحقوق الإنسان، ونحن نقر بأننا نواجه فى طريقنا إلى بناء هذه الدولة، عقبة لا بد من تخطيها، ومشكلة لا بد من حلها، وحالة مرضية لا بد من علاجها،...
إنها مزيج من حالة مرضية وقضية اجتماعية سياسية اقتصادية نفسية، أخلاقية وقانونية، لا بد من مواجهتها والتعامل معها وعلاجها بكل شفافية وموضوعية، وصولاً إلى "السِلْم الإحتماعي"، و تحقيقاً لدولة العدل والقانون، الأمن والأمان.
هذه المشكلة والقضية هى، كيفية التعامل مع أُولئك الذين كانوا مع القذافى، أركان نظامه، أنصاره أتباعه كتائبه زبانيته مرتزقته لجانه الثورية، أولئك الذين قاتلوا معه ودافعوا عنه وحموا نظامه على امتداد أربعة عقود، ونكلوا بالشعب الليبى، قتلوا وعذبوا واغتصبوا الليبيين، وسرقوا ونهبوا أموالهم، وجعلوا من الفقر والمرض والجهل أسلحة لإخضاع الشعب الليبى وإذلاله،... وما زال بعضهم، حتى بعد القضاء على القذافى ونظامه، يأخذ موقفه وموقعه، وربما سلاحه، ضد الشعب الليبي وثورته المجيدة المظفرة، عناداً أو اقتناعاً، جهلاً أو حقداً، خوفاً أو طمعاً .
والسؤال الآن، ماهو الحل وما هو العلاج لكل هذه القضايا، أفكار كثيرة طُرحت، وأراء عديدة عُرضت، وهى فى مجملها تدور حول المصالحة الوطنية، التسامح والعفو، تحقيق العدالة من خلال محاكمات نزيهة، إعادة الحقوق المادية والمعنوية إلى أصحابها، إعادة جميع الممتلكات من أراضى وعقارات لملاكها الأصليين، استعادة الأموال العامة التي سُلبت وٍسُرقت ونهبت بشتى الطرق والوسائل من قبل القذافى وأبنائه وأتباعه، ومعاقبة كل من ارتكب جرماً من قتل أو اغتصاب أو تعذيب أو ترهيب او تدمير او سرقة أو نهب....إلخ.
نحن فى ليبيا كمجتمع مسلم، نؤمن ان القرآن الكريم، وتصديقاً لقوله تعالى "وما فَرّطْنا فى الكتاب مِنْ شيء" يقدم حلولاً وعلاجاً ودواءً لكل ما يواجه ألأنسان والمجتمع، من أمراض وقضايا، وإن العلاج بالقرآن الكريم، للأمراض الجسدية والنفسية، يعتبر مثالاً ومنهجاً يحتذى فى علاج أمراض المجتمعات الإسلامية.
ومن هذا المنطلق، نجد ان القرآن الكريم حث على المصالحة كحل وتسوية لأي قتال أو نزاع بين طائفتين، فى قوله تعالى "وَإن طَآئِفَتَانِ مِنَ المُؤمِنيِنَ إقتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فإِن بَغَتْ إحْدَاهُمَا عَلَى ألأُخْرَى فَقَاتِلُوا اْلَّتِى تَبْغِى حَتَّى تَفِئَ إِلَىَ أمْرِ اللهِ فَإن فَآءَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوَا إِنَّ اللهَ يِحُبُ المُقْسِطِينَ " آية 9 الحجرات
وبتشخيص الحالة الليبية، نجد ان ما حصل فى ليبيا ليست حرباً أهلية، وليس قتالاً بين طوائف او قبائل او مناطق، وبالتالي لم يكن هناك طائفتين أو فئتين، بل كان هناك الشعب الليبي يخوض حرب تحرر وإنعتاق، فى مواجهة طاغية مستبد وزبانيته وعصابته ومرتزقته، وهم جميعاً لا يمكن ان يطلق عليهم صفة طائفة، إنهم مجرمون وقتلة لا يمثلون قبائل او طوائف، بل يمثلون أنفسهم ويتحملون وزر أعمالهم "ولا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى"
وعليه فإن المصالحة كأسلوب للتسوية وتحقيق السلم الاجتماعي، حل غير قائم فى هذه الحالة، لعدم وجود طرف أخر يتصالح معه الشعب الليبي، حيث أن ألطرف ألأخر، كما ذكرنا، ليس فئة او طائفة بل هم أفراد إرتكبوا جرائم قتل وحرق واغتصاب، وجرائم إبادة وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ، سيكونوا محل ملاحقة ومساءلة وإدانة وعقاب عادل، من خلال محاكمات نزيهة تتوفر فيها كافة الشروط القانونية، ثم وبعد ذلك فقط وليس قبله ننتقل إلى مرحلة الإحسان والتسامح والعفو من أجل تحقيق السلم الإجتماعي، وهذا الحل او العلاج نجده فى نص قرآني أخر، نتلوه ونسمعه يومياً وهو قوله تعالى "إنَّ اللَهَ يَأْمُرُ باِلعَدلِ وألأِحْسَانِ وإيتَآءِ ذِى القُرْبَى وَيَنَهى عَنِ الفَحشَآءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغىِ يَعِظُكُم لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ "
وعن إبن مسعود، فإن هذه ألآية أجمع آية فى القرآن ألكريم، وتؤكد لنا ذلك مراجع وكتب التفسير والفقه، فالعدل والإحسان وإيتاء ذى القربى، أهم احكام ثلاث يقوم عليها المجتمع الإنساني، فهى عبادة وشريعة ومكارم أخلاق، فالعدل هو السياج الذى يحمى ويصون الفرد والمجتمع، ولا يقوم أى كيان مجتمعي أو مؤسسي سليم وقابل للبقاء والإستمرار إلا على العدل، فالعدل أساس الملك، وهو ألأنصاف وهو القسط، وهو المساواة فى المكافاءة إن خيراً فخير وإن شراً فشر، والعدل هو ميزان ومعيار التقوى" إعْدِلُوا هُوَ أقْرَب لِلتَقْوَى "
والإحسان هو أن تقابل الخير بأكثر منه، وان تقابل الشر بأقل منه، وأن تقوم بألأحسان ابتداءً، وفى ذلك نشر الرحمة وألألفة والمحبة فى المجتمع وبين الناس، وقمة ألأحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك .
أما إيتاء ذى القربى، فهو وصلهم بالخير والإحسان والمودة إبتداء، مما يحقق العدالة الإجتماعية ، ويقيم مجتمع التآلف والتكافل، ويرى البعض من المفسرين أن ذى القربى أشمل وأعم من ذوي القربى، وان اللفظ عام يراد به الجنس وليس الفرد، بحيث يستوعب ألأسرة والعشيرة والقبيلة والشعب والأمة، وتأسيساً على ذلك فإن هذه ألآية تعتبر أشمل وأكرم واقدم نص حول مفهوم ومضمون العقد الإجتماعي والسلم الإجتماعي، ونحن فى ليبيا أحوج ما نكون، وخاصة فى هذه المرحلة والظروف، إلى ألألتزام بتطبيق هذه ألآية، ما أمر الله به إبتداءً وما نهى عنه إنتهاءً.
لقد إرتكب نظام القذافى على إمتداد أربعة عقود وخاصة خلال الشهور الثمان الأولى، من ثورة السابع عشر من فبراير، إرتكب كل الجرائم التى تندرج تحت أبواب وتسميات الفحشاء والمنكر والبغى، إرتكب الفواحش والمحرمات والمنكرات جميعها، وبالتالى فإن تحقيق السلم الإحتماعي للشعب الليبى، لا يتم إلا بإعادة الحقوق إلى أصحابها، ومعاقبة كل من إرتكب جرماً بحق أى مواطن ليبى، ثم يأتى بعد ذلك دور ألأحسان والعفو والمسامحة، على أساس من العدل، وليس بتجاوزه او تجاهله او التهاون فيه.
إن ليبيا اليوم، وهى تعيش بهجة النصر، وفرحة التحرير، وتستنشق بعمق نسائم الحرية، تخفى تحت ملابس العيد الجميلة، جراحاً كثيرة لأن يتم تطهيرها وتنظيفها إلا بالعدل، ولا يتم إلتئامها وشفائها إلا بالإحسان والتسامح والعفو.
وللحديث بقية .....
مغارب. كم عن "الوطن"

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق