الجمعة، 18 نوفمبر، 2011

اللجان الثورية والاجهزة الامنية في جماهيرية القذافي
محمد عبد الحكم دياب
عكس حكم معمر القذافي وجها غير حقيقي للغالبية العظمى لليبيين، ومن يعرفهم يجدهم بطبيعتهم أناسا طيبين.. مسالمين.. بسطاء؛ لم تتعقد حياتهم كغيرهم في بلاد أخرى، وقد عانوا كثيرا من وطأة استعمار وحشي، أقرب إلى الاستيطان الذي يقتلع السكان من جذورهم، ويبني رخاءه على أشلائهم وجماجمهم، ونهب ثروات بلادهم.

وتعرض الليبيون لموجة احتلال من الفاشية الإيطالية؛ أبلوا في مواجهتها ومقاومتها بلاء حسنا، وقتها استولى المستوطنون الفاشست على المناطق الخصبة والمدن التجارية المطلة على ساحل المتوسط.. الممتد من 'رأس جدير' على حدود تونس حتى 'مساعد' على الحدود المصرية واستقروا عليها، ودفعوا بأهل البلاد إلى الدواخل، وقد يكون هذا أحد أسباب محافظتهم على الطبيعة والفطرة غير المشوهة إلى حد كبير.
هذه المقدمة من أجل إلقاء بعض الضوء على التباس شاب تفسير العلاقة التي ربطت بيني وبين كثير من الليبيين، حيث غاب عن البعض معنى علاقة التقدير والود مع الليبيين كشعب والتحفظ على مواقف وتصرفات السلطات التي تحكمهم وتتحكم فيهم.
بجانب أن تلك السلطات عاشت منقسمة على نفسها، بين جناح يعكس طبيعة الشعب وفطرته، وكثير منه أزيح من مواقع التأثير والنفوذ مع قيام 'الجماهيرية' وإعلان ما عُرف بـ'سلطة الشعب'، وبقيت علاقتي قوية مع ذلك الجناح، ولم يقطع عدد من أقطاب الجناح الآخر علاقته معي أملا في استقطابي إلى جانبهم، ووجد ذلك اللبس من يستغله؛ معتبرا أن استمرار العلاقة مع الجناح الأول انحياز لحكم القذافي. وكان لذلك انعكاساته في شيوع وهم سيطر على كتبة التقارير، التي كانت تصدر عن ليبيا، وكثيرا ما حسبتني على حكم القذافي، واستمر هذا الوهم مسيطرا لسنوات بعد ترك ليبيا، واستقر في ذهن أجهزة الأمن المصرية والخليجية والسعودية، وحتى البريطانية.
لم يؤثر ذلك على علاقة الود مع كثير من الليبيين في ذروة الحرب المعلنة من سفير القذافي في لندن آدم كويري، ولم يمتنع بعضهم في تلك الفترة من التردد على دار الطباعة والنشر التي كنت أساهم في ملكيتها ومفوضا بإدارتها، وإن كان من بين المترددين من سعى للتعرف على ما يجري داخلها، أو لمتابعتي ووضعي موضع الاختبار.
وفي عام 1983 دعيت للمشاركة في ورشة عمل بعنوان 'الثورة العربية' عقدت في فيينا عاصمة النمسا، وعملت على تجنب الاقتراب من التجربة الليبية؛ إما مجاملة لأصدقاء أو تجنبا لمشاكل. وأثناء حديثي إلى المشاركين كان القلق باديا على رئيس الجلسة، وظننت أنه يعكس قلق الحضور، وتوقفت عن الحديث للحظة وسألت عما إذا كان هناك ما يمنع من الاستمرار في الحديث.. ووقفت القاعة في صف الاستمرار.
وكانت هناك أسئلة بدت غير بريئة وملغومة، منها سؤال لأستاذ جامعي ليبي عن 'النظرية العالمية الثالثة'.. وعما إذا ما كانت نظرية أم لا؟ وكان ردي أن ذلك ليس موضوع المحاضرة، لكنه طلب الكلمة مرة أخرى، وقال أريد أن أسمع الرد منك بالذات!!. وأمام ذلك الإلحاح لخصت رأيي في أن هناك مواصفات وشروط لأي نظرية؛ سواء كانت في مجال العلوم الطبيعية أو العلوم الإنسانية، مع حساب اختلاف المجالين.. وأن ما اصطلح على تسميته بـ'النظرية العالمية الثالثة' يحوي مقولات لها مدلولات اجتماعية وإنسانية، وضربت مثلا بمقولة 'البيت لساكنه'، ومع ذلك فإن تلك المقولات وحدها لا تكفي لوضع نظرية، فرد منفعلا أن صاحبها هو الذي سماها هكذا، قلت وما شأني بذلك!!.
وفي اليوم التالي حضر إلي الفندق المستشار الثقافي في المكتب الشعبي (السفارة)؛ يسألني لماذا أشتم ليبيا؟.. قلت اعطني كلمة أو عبارة كتبتها أسأت فيها إلى ليبيا!. وما أكتبه عن سفيركم في لندن ليس فيه إساءة لبلدك، وما ينشر هو من قبيل سرد وقائع وتجاوزات وإبداء رأي في سفير أخذ على عاتقه مسؤولية غلق صحيفة أساهم في ملكيتها وأرأس تحريرها، فهو من أعلن الحرب ولست أنا.
وقبيل مغادرة فيينا دعيت إلى مكتب السفير الليبي، وهناك تحدث الرجل عن حاجتي إلى ما يخفف عني أعباء الحياة المادية، وأستغربت ما يقول إلى أن قطع الشك باليقين وأخرج رزمة من الدولارات من درج مكتبه ووضعها أمامي قائلا: هذه مساهمة متواضعة منا للتخفيف من أعبائك المالية!.
وتمثل الرد في طلب ورقة وقلم، وعنونت الورقة بكلمة 'إيصال'.. وتحتها حررت ما يفيد بتسلمي مبلغا من المال على سبيل الأمانة لتسليمه لصحيفة 'الناصرية'، واعتباره تبرعا من صاحبه، وحين عدت إلى مقر الصحيفة في لندن سلمت المبلغ للشخص المسؤول عن الإدارة والمال!.
بعدها حضرت مؤتمرا في قبرص لمنظمة 'الأحزاب الاشتراكية في حوض المتوسط' وكانت طائرة العودة عن طريق اليونان، وفي قاعة الترانزيت بمطار أثينا التقيت صديقا؛ وكان رجل أعمال أردنيا، وضابطا سابقا، وكان على علاقة بالزعيم الراحل جمال عبد الناصر، وعاش فترة لاجئا سياسيا في مصر، ثم ربطته علاقة وطيدة بمعمر القذافي.
وذكر أنه قادم من طرابلس في طريقه إلى عمان، وقد التقى بالقذافي، وتعمد ذكر اسمي أمامه من أجل أن يعرف رأيه في شخصي، ورد القذافي: 'الأخ محمد سياسي باهي' وتعني باللهجة الليبية سياسيا جيدا، وفسرها الصديق المشترك أنه رأي سلبي، فوصْف سياسي من منظوره يعني أن الشخص ليس ثوريا، وواصل قائلا: رغم ذلك طلبت منه أن يدعوك لمقابلته.. ورجاني أن ألبي الدعوة.
وما هي إلا أيام قليلة حتى اتصل بي من يدعوني لزيارة طرابلس، وذهبت وفي ذهني أنني سألتقي القذافي، وأرى ما سوف يحدث قبل وأثناء المقابلة وبعدها. واتخذ الأمر منحى آخر، ودعيت للقاء عبد الله السنوسي؛ الرجل القوي والمقرب من القذافي. وكانت المرة الأولى والأخيرة التي ألتقيه فيها، وانتقل بي إلى قاعة الاجتماعات الملحقة بمكتبه؛ وجدت قادة اللجان الثورية والأجهزة الأمنية والإدارية العليا في ليبيا وقتها؛ من بينهم موسى كوسا.. أمين 'المثابة العالمية' المسؤولة عن الحركات الثورية في العالم، وسعيد راشد، وعز الدين الهنشيري، ومحمد المصراتي، وعدد آخر من المسؤولين الكبار على هذا المستوى، ولفت نظري وجود أستاذ جامعي مصري (ف. ع.) يعمل في جامعة الفاتح، وكان هو وزوجته يقومان بالتدريس لأولاد القذافي.
بدأ الحديث بالقول: 'نحن قررنا' مساعدة صحيفتكم، وكانت قد توقفت لظروف مالية. وكان ردي ليس هناك ما يمنع ذلك مع صحيفة تعلن مصادر دخلها وتمويلها على صفحاتها، وذلك تقليد سارت عليه، ونشرت تبرعات وردت إليها من الأفراد إلا من طلب عدم نشر اسمه، وقلت هذا وأنا أعلم أن هذا مجرد طُعم، وكنت قد وطنت نفسي على ألا أرفض أي كلام عن الدعم والمساعدة باعتباره غير جاد ومضيعة للوقت، وتغلب عليه الدعاية، والجدل حوله لا يفيد، وكثيرا ما يتخذ رفضه ذريعة للمزايدة، وإشاعة أنهم دائما أنهم دائما مبادرون بالدعم وغيرهم هم الذين يرفضون. والحقيقة إنهم إذا ما قدموه كان مقابل تنازلات مهينة تصل حد إهدار الكرامة وفرض المذلة.
تدخل الأكاديمي المصري: لماذا لا يتغير اسم الصحيفة؟ وفهمت الرسالة بأن ذلك هو الشرط الأساسي.. فالقذافي من بعد خطاب زوارة في 1973 لا يتحمل اسم عبد الناصر أو الناصرية. واسترسل الأكاديمي في تبيان أهمية تغيير الاسم، وكان صدور ذلك الشرط من مواطن مصري يعفي الجالسين على طاولة الاجتماع من الحرج. وذكرت أن مبررات تغيير الاسم غير قائمة.. من حيث إقبال القراء عليه وتشجيعهم الدائم للصحيفة؛ لدرجة أن الجالية اليمنية في ديترويت بالولايات المتحدة كانت تتولى توزيع الصحيفة على أعضائها باليد توفيرا للنفقات، ولا تكتفي بذلك بل تجمع التبرعات وترسلها إلينا في لندن، في الوقت الذي مُنعت فيه من دخول ليبيا.
وأتذكر في هذه المناسبة موقف وزير الإعلام السوري الراحل أحمد اسكندر أحمد، وكان قد وجه للصحيفة دعوة لزيارة سورية، وذهبت بصحبة الزميل الكاتب والصحافي العراقي سامي فرج إلى دمشق. وقال الوزير اعتبروني من هيئة تحرير 'الناصرية'، ورأى أنها تملأ فراغا في وقت كان فيه خطها محاصرا في كل البلاد العربية، وطلبنا منه إصدار موافقته بإدخالها إلى سورية، وقد لبى الطلب. وحين قال ان سورية بلد فقير لا يقدر على مساعدة الصحف والمطبوعات، قلنا انه من دعانا، ولبينا الدعوة ليس بحثا عن مساعدة، المهم أن الوزير الراحل اقترح أن يطلب مساعدة من الليبيين نيابة عن الصحيفة.. مؤكدا على إن ما له من علاقة طيبة معهم تسمح بذلك، فشكرناه واعتذرنا، ونوهنا إلى حرصنا على الاستقلال المالي والسياسي، واحترم الرجل تلك الرغبة.
ونعود إلى الاجتماع في مكتب عبد الله السنوسي، وبعد حوار مستفيض انتهت الجلسة التي امتدت لساعات بكلمة منه بدأت بـ'أنهم سيدرسون الأمر'، على أن يتولى موسى كوسا إبلاغي بالقرار خلال 48 ساعة، وبين بداية الاجتماع، التي أعلنوا فيها 'أنهم قرروا'، ونهايته وقولهم 'أنهم سيدرسون الأمر' وتكليف من يبلغني بالنتيجة اتضحت الصورة، ومرت المهلة دون اتصال من أحد، وغادرت وأنا أكثر يقينا أن نهج جماهيرية القذافي هو تقديم الطُّعم، ومن يبتلعه يتم اصطياده، ومن يرفض تُصَب عليه اللعنة. وعلى الإنسان أن يختار بين اللعنة والاحتفاظ بالكرامة، واختيار الثانية؛ تَحُول دون تَحَوّل الإنسان من صاحب قضية إلى مرتزق.

' كاتب من مصر يقيم في لندن

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق