الجمعة، 28 أكتوبر، 2011

"العدالة الإنتقالية" أهم مقومات "المصالحة الوطنية
 د. عبد المجيد أحمد الصغير بيوك
العدالة الانتقالية مصطلح يطلق على مجموعة الإجراءات والآليات التي ينبغي تطبيقها في أعقاب اسقاط الأنظمة الشمولية الدكتاتورية، بهدف مواجهة إرث انتهاكات حقوق الإنسان قبل وأثناء التغيير، والحاجة إلى تطبيق "العدالة الانتقالية" تزداد إلحاحا عندما يتم التغيير بقوة السلاح وعبر المواجهات المسلحة.

الهدف الاستراتيجي لنهج العدالة الانتقالية يتلخَّـص في الانتقال إلى مجتمع تسُـود فيه العدالة وسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان وتتوفر فيه ضمانات تحُـول دون تـكرار تلك الانتهاكات أو غيرها، بمعنى التحوّل نحو الديمقراطية عبر بناء دولة مدنية دستورية. ولكي يتحقق ذلك ينبغي توفر خطة متكاملة محددة بفترات زمنية واضحة على أن تبدأ الممارسة العملية بقرارات صائبة وخطوات راسخة بدء بالخطوة الأكثر أهمية ثم التي تليها في الأهمية على أن يظل الباب مفتوحا أمام استكمال كل الآليات اللازمة لتحقيق أهدافها والتي من أكبرها على المدى المتوسط والطويل ضمان زوال الأسباب التي أدت أليها أصلا.
تطبيق إجراءات "العدالة الإنتقالية" قد يستغرق أشهر وسنوات، كما حدث في تجارب سابقة حيث استغرق تنفيذ آليات العدالة الانتقالية في جنوب إفريقيا بعد انتهاء نظام التمييز العنصري عدة سنوات، واستغرق عمل لجان تقصِّـي الحقائق في أمريكا اللاتينية في أعقاب سقوط الدكتاتورية في بيرو وتشيلي وتقديم المسؤولين السابقين لمحاكم جنائية عشرة أعوام. ولعله من المناسب في هذه المرحلة القيام بدراسة متأنية لحزمة التجارب التي خاضت تجربة العدالة الانتقالية بدرجات متفاوتة من النجاح ومن أهمها التجارب في تشيلي (1990 ) والأرجنتين (1983 ) وغواتيمالا (1994 ) وجنوب أفريقيا ( 1994 ) وبولندا (1997 ) وأسبانيا (1978 )، وسيراليون ( 1999) وتيمور الشرقية (2001 ) والمغرب (2004 ).
في الحالة الليبية وبعد انتصار ثورة 17 فبراير المعجزة، لا شك أن تحقيق "العدل والعدالة" بين الناس في المرحلة الانتقالية هو من أهم الضرورات لإعادة تأسيس الدولة على أسس شرعية ودستورية وقانونية وبآليات ديموقراطية. ورغم أن إجراءات "العدالة الإنتقالية" تتضمن قضايا حساسة ومؤلمة لكل الأطراف، إلا أنها بدون شك في غاية الأهمية بل لها ضرورة قصوى لكي يتحقق النجاح في عملية التحول من اللاشرعية إلى الشرعية ومن الاستبداد إلى الحرية ومن الدكتاتورية إلى الديمقراطية. ومن المتوقع ألا تأخذ مرحلة "العدالة الإنتقالية" في الحالة الليبية أكثر من أشهر قليلة ولن تزيد عن السنة.
ماذا لو لم تطبق "العدالة الإنتقالية"؟
المواجهات المسلحة بين الثوار وكتائب القذافي، والتي فرضتها الجرائم التي ارتكبتها الكتائب منذ اللحظات الأولى لإنطلاق الثورة السلمية، أدت حتى الآن إلى آلاف القتلى وعشرات الألاف من الجرحي والمفقودين والنازحين، كما أدت إلى أضرار نفسية ومادية وكوارث صحية وبيئية غير مسبوقة في ليبيا، وفي غياب أي منهجية للتعامل مع هذا الكم الهائل من الجرائم التي ارتكبها القذافي وأبنائه وقادة وجنود كتائب القذافي ، وهذا الكم الهائل من الضحايا (من الطرفين) فإنه، في حالة تجاهل مسألة "العدالة الإنتقالية"، من المتوقع أن نشهد سيل عارم من عمليات الإنتقام الفردي والجماعي والتي ستؤدي إلى المزيد من الانتهاكات من الطرفين. لا سيما أن المطالبة الشعبية بضرورة القصاص من الذين ارتكبوا تلك الجرائم ستتصاعد بشكل كبير.
ستجد الحكومة الإنتقالية نفسها أمام حزمة كبيرة من الإنتهاكات والمظالم والجرائم التي لا يمكن تجاهلها أو تأجيل التعامل معها، وقد يعتقد البعض بأن الحل يكمن في التصالح القبلي وبالاساليب المتعارف عليها بين القبائل الليبية والحق أن الحلول القبلية السائدة قد تفيد في حوادث السيارات أو الخلافات الفردية أو الأسرية ولكنها لن تجدي نفعا في ما ترتب على هذه الثورة التي بدأت سلمية ثم تحولت إلى مواجهات عنيفة وانتهاكات صارخة لحقوق الانسان من قبل النظام الهالك ومن بعض المحسوبين على الثوار. فلن تجدي إقامة الدعاوى القضائية على مرتكبي الانتهاكات من الأفراد والمجموعات، ولن تجدي جلسات مثناترة لعقد مصالحات بين زعماء القبائل، ولن تجدي التعويضات المادية العشوائية، ولذلك ينبغي إعداد خطة متكاملة تبنى على محورين أساسيين متلازمين هما (العدالة الإنتقالية) و (المصالحة الوطنية).
هناك موانع وعوائق كثيرة قد تحول دون تحقيق العدالة الإنتقالية في المرحلة الإنتقالية أو ما بعدها، ومنها:
ـ عجز أو تباطؤ الأجهزة التنفيذية للسلطة الإنتقالية عن الشروع في تكوين لجان تقصي الحقائق، أو لجان التحقيق، أو المحاكم التي ستقوم بالبث في الدعاوي الفردية والجماعية، أو عن تنفيذ أحكام المحاكم التي تأسس للبث في القضايا المرفوعة حول تلك الإنتهاكات.
ـ مصداقية أجهزة القضاء أو ضعف استقلاليتها أو اختراقها من قبل رموز الفساد من القضاة والمحامين والقانونيين.
ـ فاعلية الثورة المضادة أو فلول "الطابور الخامس" على اختراق صفوف القيادة السياسية والأمنية في المرحلة الانتقالية، وبالتالي تمكنهم من التستر على انتهاكات وجرائم تورط فيها عناصر منهم في مرحلة الدكتاتورية أو أثناء معركة التحرير
ـ التسرع في إصدار العفو العام، لأسباب سياسية، أو منح الحصانة القضائية لمرتكبي الإنتهاكات عبر الإعلان عن قانون للعفو العام الذي يتم استغلاله من قبل مرتكبي الإنتهاكات خلال مرحلة الدكتاتورية .
ـ طمس الحقائق أو تغييبها أو العجز عن كشف الحقائق المطلوبة لتسوية ملفات انتهاكات مرحلة الدكتاتورية أو عدم قدرتها على كشف النقاب عن ملفات وجرائم ارتكبت مع استمرار معاناة ضحاياها.
ـ ضياع الوثائق والمستندات المطلوبة لإدانة عناصر النظام أمام قضاء عادل يوفر للمتهمين حق الدفاع عن أنفسهم من منطلق أن "المتهم بريء حيث تثتبت إدانته". 
هناك مؤشرات كثيرة قد تكشف فشل السلطة الإنتقالية في تحقيق العدالة المطلوبة، ومنها:
ـ إفلات عدد من رؤوس النظام الهالك من العقاب، سواء من القبيلة أو اللجان الثورية أو الأجهزة الأمنية أو من مؤسسات الدولة بسبب الإعفاء العام الذي قد تصدره السلطة الإنتقالية، أو بسبب عدم قدرة الإدعاء العام على إبراز الأدلة الدامغة لإدانتهم أمام القضاء العادل.
ـ تسلل بعض العناصر المشبوهة والمعروفة بالفساد والاستبداد إلى مواقع مهمة في البنية الأمنية والقانونية والقضائية والسياسية التي لها علاقات وطيدة مع السلطة الانتقالية أو بعض عناصرها
ـ ظهور سلوكيات لعناصر في السلطة الانتقالية تكرس مفاهيم السلطة المطلقة التي يفترض أنها رحلت مع النظام الهالك، مما له أثر واضح على حرمان الليبيين من ممارسات الحريات العامة ومنع ضحايا الإنتهاكات من الحصول على أحكام أو تعويضات أو اعترافات عادلة لقضاياهم .
ـ حرص احد أو عدد من المتنفذين أو المقربين من السلطة الإنتقالية على التصالح مع بقايا النظام الهالك، والحرص على توطيد العلاقة معهم سواء لكونهم من المعارف أو الأقرباء أو الإصدقاء أو الشركاء في أعمال تجارية مما سينتج عنه مظالم وخروقات جديدة قديمة.
هذه العوامل السلبية أو بعضها ستؤدي بالضرورة إلى جملة من العواقب الوخيمة والنتائج السلبية ضد العدالة الانتقالية وبالتالي تضر بمسيرة التحول الديمقراطي، ومنها:
ـ خلط الأوراق وضياع الحقيقة وتحول المجرم إلى ضحية .
ـ تعاظم معاناة الضحايا وشعورهم بالضيم والإحباط واليأس من التحول نحو الديمقراطية الحقيقية.
ـ إفلات المجرمين من العقاب مما قد يحول بعضهم من خلال الإدعاءات المضللة ثوارا أبطالا.
ـ انعدام الأمن في البلاد والسلام والوئام الإجتماعي بسبب غياب العدل وسيادة حكم القانون.
إذا اتفقنا على ضرورة خوض مرحلة "العدالة الإنتقالية" من المهم أن يكون هناك توازن وعدم استعجال في إصدار الأحكام في محاكمات سريعة لا تخضع للمعايير الدولية للمحاكمات العادلة بحيث لا تتحول المحاسبة إلى انتقام ولا يقع النظام الجديد في فخ الاستبداد وعدم احترام حقوق الانسان ، مما يؤكد للناس أن الإنتهاكات لن تتكرر في المستقبل، وأن عملية المحاسبة تخضع للقوانين. وبعد تحديد الأوليات نمضي قدما في تطبيق آليات العدالة الإنتقالية والمصالحة الوطنية لنجاح المرحلة الإنتقالية وما بعدها، ومنها:
أولا: إصدار جملة من القوانين والقرارات والإجرِءات القانونية والإدارية بترتيب يتنافى معه إمكانية الطعن في شرعيتها، ومنها:
ـ الإلغاء الرسمي والقانوني لمؤسسات النظام الهالك وخاصة الكتائب الأمنية وحركة اللجان الثورية والحرس الشعبي والثوري والمربعات الأمنية ، وبعض إدارات الأجهزة الأمنية وأية مؤسسات تابعة لها.
ـ تأسيس لجان لملاحقة المسؤولين عن الانتهاكات ، ولبحث الإجراءات اللازمة لتقديمهم للقضاء العادل.
ـ الشروع في الوصول للحقيقة والعدالة في قضايا الاختفاء القسري والمفقودين والمغيبين وموتى المقابر الجماعية وضحايا الإغتصاب والقتل الجماعي 
ـ تأسيس محكمة جنائية مختصة بمحاكمة القذافي وأولاده وبقايا نظامه من الشخصيات التي ارتبطت بممارسة انتهاك حقوق المواطن الليبي واستغلال السلطة
ـ تحويل المسؤولين السابقين للقضاء بتُـهم تتعلق بالإستبداد وانتهاكات الحقوق، وجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الفساد.
ـ توفير سُـبل لتعويض الضحايا والاعتذار عمّـا لحق بهم.
ـ اتخاذ إجراءات لإصلاح القوانين المُـجحفة بحقوق الإنسان وإعادة تأهيل مؤسسات الشرطة وأمن الدولة وأقسام وزارة الداخلية، وتحويلها من مؤسسات قمعية إلى مؤسسات تحافِـظ على أمن المواطن والمجتمع وتحترم حقوق المواطنين.
ـ دعوة خبرات تابعة للمركز الدولي للعدالة الانتقالية لزيارة البلاد وعقد الحوارات والمشاورات معها في حضور مؤسسات المجتمع المدني من أجل الاستفادة من التجارب الماضية و نقل خبرات مهمة في العدالة الانتقالية حتى نتجنب الوقوع في أخطاء وقعت فيها بعض الدول في السابق.
ثانيا: القيام بترتيبات سياسية واقتصادية واجتماعية لتحقيق المصالحة الوطنية الشاملة وفي خطوات متوازية مع الترتيبات القضائية والقانونية، ومنها:
ـ البدء في حوار واسع وشامل مع المجتمع، وخاصة مع أسر الشهداء وضحايا النظام الهالك بسبب الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، للتوصل إلى تحديد دقيق للمطالب والأولويات مع شرْح حقيقة استِـحالة تطبيق كل آليات العدالة في نفس الوقت وعلى وجه السرعة
ـ اتخاذ خُـطوات عملية توضِّـح للمجتمع أن الثورة أسفَـرت عن تغييرات حقيقية من خلال احترام فِـعلي لحقوق الإنسان و مواصلة محاسبة المسؤولين
ـ الشروع في إصلاح القوانين المقيّـدة للحريات وإصلاح المؤسسات التي تسبَّـبت في الماضي في انتهاك حقوق المواطنين وعدم السماح لمَـن أفسدوا في الماضي، بمواصلة نشاطهم الهدام.
ـ تفعيل لجان الحقيقة ، لكشْـف حقيقة ما حدث أثناء الثورة وما كان يحدُث في الماضي وضَـمان عدم تكراره.
ولكي تنجح المصالحة الوطنية هناك عدة شروط لابد من توفرها وهي:
ـ اعتراف رسمي بالوقائع التى شكلت انتهاكا لحقوق الانسان والاقرار بمبدأ محاسبة مرتكبيها فى اطار مبدأ تصالحى يشمل كافة الوان الطيف السياسي والاجتماعى .
ـ الاقرار بمبدأ تعويض اهالى المتضررين مادياً ومعنوياً .
ـ إبراز تجربة العدالة الإنتقالية فى الذاكرة الوطنية لكى تكون سداً امام كل من يفكر فى اقتراف امثالها سواءً بتناول ذلك الحدث محل التحقيق فى وسائل الاعلام او باحداث مشاهد تذكارية فى موقع الحدث.
ـ العمل على الكشف عن جميع المختفين والمفقودين وتحديد صور اختفائهم والعمل الجاد على تسليم رفات المتوفين منهم  لذويهم واشراكهم فى التحقيقات المتعلقة بذلك .
ـ ضمان حيادية لجان الحقيقة والعدالة واستقلاليتها عن اروقة السلطة ، بحيث لا يكون من بين أعضائها من تولوا وظائف من شأنها القيام بممارسات سياسية او قضائية لها علاقة بالاحداث التى تجرى التحقيقات بشأنها.

طرابلس، 28 اكتوبر 2011

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق