الأحد، 10 يوليو، 2011

قراءات في بعض وجوه الكوكبة الأولى بالزنتان

الشيخ الطاهر أجديع و إسماعيل شوية... مثالاً
سالم ناجي: إن يجاهر البعض بالكلام ضد القذافي الآن أمر مستساغ وبعيد إلى حد كبير عن المخاطرة خصوصا للمتواجدين بالمناطق المحررة أو خارج ليبيا ، وأن يكتب البعض معترضا ومتحدياً ومعرياً للنظام في هذه الأيام هو أمر شبه طبيعي ، وأن يخرج على شاشات التلفزيون متحدثين ومحللين يشّرحون النظام ويظهرون بشاعته وأخطاءه أمر شبه طبيعي  كذلك ،
لكن أن تعمل كل الأشياء السابقة يومي 15 / 16 فبراير وقبلهما فذلك ضرباً من ضروب الهلاك والشقاء ، فقد عودنا النظام الشمولي والاستبدادي والطغياني على أن كل من يشكك مجرد الشك في فكر القائد أو في شخصه أو من تسول له نفسه مجرد الانتقاد والاعتراض ولو من باب المزح على ملك الملوك وعظيم الشأن والمفكر والقائد والثائر … الخ  يكون مصيره السحق والفناء ، وقد شكّل القذافي وزبانيته لذلك أدباً يقرأ ويسمع ويشاهد هو أدب العنف الثوري والسحق الثوري والتصفية الجسدية وحماية الثورة وغيره . كما نجح القذافي طيلة مدة حكمه في تكميم الأفواه وخنق الأصوات وبتر الأقلام حتى باتت الساحة فاضيه له وحده تارة شاعر وتارة أديب يكتب القصص  وتارة منّظر يريد تخليص العالم وتارة حامي حمى الإسلام وناشر الدعوة الذي يصلي وراءه ملايين المسلمين ويستسلم على يديه  آلاف الكافرين  ، وتارة أخرى حالم زاهد لا يملك سوى نياق جده وخيمته الوحيدة .. وهلم جر حتى أختزل ليبيا في شخصه وحولها إلى مجرد نفحة من نفحاته ومجرد إبداع من إبداعاته  ، وذلك هو ديدن الاستبداد والطغيان منذ الأزل.
 وكل من تجرأ على الاقتراب من تلك الذات الوهمية أو فكّر مجرد التفكير في التعرض لها ولو بخليط  من المدح مشوباً ببعض الانتقاد فمصيره السحق والإبعاد هو وعائلته وقبيلته وأصدقاءه وجيرانه وزملاءه وحتى من يتشابه أسمهم مع أسمه مجرد الاشتباه فالسيئة في هذه الحالة تعم جداً ، ونعرف جميعا حالات لذلك أهمها شهيد الحق فتحي الجهمي والصحفي ضيف الغزال وكثيرون غيرهما .
 ولقد بدأت بهذه الإطلالة البسيطة لمقالتي هذه حتى أرسّخ لقاعدة أن الذين ثاروا في الأيام الأولى للثورة وعلى الأخص يومي 15/ 16 فبراير هم أشخاص إستثنائيون بكل ما تعنيه الكلمة ويجب التوقف عند شخوصهم للتحية أولاً ولقراءاتهم  ثانياً.. فمن هم ؟ ومن أية خلفيات ينطلقون ؟ ولماذا قاموا بذلك ؟ وأين هم الآن ؟ وأسئلة كثيرة لا يمكن تجاوزها في التأسيس لأدب ثورة فبراير العظيمة ، فقد شاهدنا جميعا الكوكبة الأولى للمنتفضين ببنغازي وكان مقطع مرئي ملتقط بهاتف نقال يظهر صور لمجموعة بالليل تسير منتفضة في أحد شوارع بنغازي  وتم تصويرهم من الخلف فلم نميز الوجوه ولكن كان معظمهم كباراً في السن تلمع بعض رؤؤسهم المتصلعة وهم يهتفون بشجاعة بالغة  " ثوري ثوري يا بنغازي جاك انهار وفيه اتراجي " ، كما رأينا يوم 16 كوكبة أخرى بالزنتان أحرقت مثابة اللجنة الثورية ووقفت لتهتف بشجاعة " طز طز في القذافي يازنتان ماعادش اتخافي " ، وكان ذلك الهتافان التاريخيان بمثابة كلمة سر الثورة والبيان الأول لها وإعلانها التاريخي ، فعلى الرغم من قلة كلماتهما إلا أنهما يعبّران بعمق عنها فهناك دعوة للتخلص من الخوف والانتقال إلى عهد الآمان والحرية ودعوة صريحة للثورة وعدم الانتظار.
 وعلى الصعيد الشخصي تابعت تلك اللقطات وكنت مرعوباً ومنبهراً ومشفقاً ومشدوهاً من تلك الخطوة الجريئة في آن واحد ، على الرغم من علمي بأن تاريخ الثورات في العالم يشير إلى أن الثورة تبدأ دائما بطليعة مجازفة مغامرة متهورة ولكنها مقتنعة ومؤمنة بالثورة وحتمية التغيير وحالمة بالغد الأفضل للآخرين قبل أن يكون لهم ، ومستنشقة لنسيم الثورة العليل وأن ذلك الاستنشاق يتحول إلى إدمان يحاصرهم ويملأ عليهم حياتهم فلا يعودوا يكترثون لشئ عدا الثورة وضرورة نجاحها ويبدءون قبل غيرهم في تنفس نسيم الحرية الغالية وتلمسها ، ولن يستطيع أحد كان أن يرجعهم للخلف أو أن يوقف زحفهم المقدس إلى الأمام ، ولقد حاول القذافي جاهلا  أن يثنيهم عن عزمهم بالترهيب أحيانا وبالترغيب أحيانا أخرى ولكن خابت مراسيله ورجعت تشكو إليه ألم الثورة وشررها الحارق .
 وأردت من تلك الإطلالة كذلك أن أرد على بعض الأغبياء ممن يظهرون على شاشات قناة القذافي والحاصلين للأسف على درجات علمية عالية والذين لا يجيدون سوى الترديد الببغائي للعبارات والأفكار دون قراءة وتحليل ، ولا حرج عليهم من وجهة نظري فهم أقل شأنا من أن يروا الحرية وبابها الكبير الذي تدقه فقط وفقط الأيادي المضرجة بالدماء وأقل شأنا من أن يدركوا الثورة لأنهم لم يعيشوها ولم يتنفسوها أو حتى يفهموها فهم في قمقم الظلام قابعين  يصح فيهم القول بأنهم ميتون وخائفون من الموت في آن واحد.
ولقد ردد هولاء البلهاء دائما عبارة الاستعمار وثوار الناتو والاستعانة بالأجنبي وألصقوا بالثورة عبارات الخيانة والعمالة متناسين أن الكوكبة الأولى للثورة قامت وانتفضت وصرخت بالثورة في وقت لم يكن فيه حتى رأي عربي أو إقليمي مؤيد فما بالك  بالتحالف الدولي  ولو سألتهم في ذلك الوقت عن الرأي العام الدولي والأمم المتحدة والقوى العظمي وهل تعتمدون على دعم متوقع لمساندتكم منهم لضربوك حتما وقالوا لك  نحن هنا رقم صعب في الميدان نعرف أننا نسير وأرواحنا على أكفنا نواجه ديكتاتور لا يعرف إلا القتل والعنف والسحق ولكننا نعرف في المقابل أن الحرية الغالية ثمنها غالي وأن من يفاضل بين الحرية والعبودية كمن يقارن بين التبر والتراب ، نسير في طريق سلكه قبلنا رجال عظام من أبناء ليبيا الشرفاء ماتوا جسدا ولكنهم عاشوا روحا ، جاهدوا معتمدين على نصر الله سبحانه وتعالى وحده وهو نعم المولى ونعم النصير .
 وكنت أتمنى على المثقفين الأعزاء ببنغازي أن يبادروا بالكتابة عن تلك الكوكبة ويظهروها لنا بشخوصها أدبا يقرأ ويدّرس للجيل القادم ويعلن لكل المتابعين والمهتمين بسبر أغوار الثورات العظيمة  ومثالها الشاخص أمامنا في ثورة فبراير الليبية .
 ولو كنت أملك معلومات كافية عنهم فلن أتردد حتما في الكتابة حولهم فذلك أقل ما يمكن أن يعمل تجاههم ، غير أنني سأكتب عن بعض من تلك الكوكبة المنتفضة بالزنتان بحكم معرفتي الشخصية لبعضهم وعلى الأخص للشهيد إسماعيل محمد اشويه ، والشيخ الطاهر الجديع.
الشهيد إسماعيل محمد شوية :
رجل في مقبل العمر صديق شخصي قديم فرقت بيننا ظروف الحياة ، يعمل معلما تربويا ومتحصل على تأهيل جامعي من كلية التربية ، عرفته على الدوام شخصا هادئا حليما صبورا قنوعا ، غير أن أهم ما عرفته فيه من خصال طاغية هو الشجاعة والإقدام فهو لا يبالي بالمخاطر ولا يعرف الخوف .. وقد التقيته قبل مدة من تفجر الثورة ووجدته شخصا أكثر تدينا وتمسكا بالدين وقد غزا الشيب لحيته يحمل في عينيه حزنا دفيناً ، وشوقا إلى الخلف من الأولاد فهو لم يرزق بأطفال في حياته ، وبادرني بعد تبادل التحية بالقول أنت كعادتك لا تسأل عني مع أنك تأتي من حين لآخر لزيارة الزنتان وأخذتنا بعدها الأحاديث  وتفرقنا كل إلى حال سبيله ، حتى يوم 16 فبراير عندما رأيته ثائرا يتقدم الكوكبة الأولى المنتفضة ممسكاً مكبر الصوت في يده خاطبا وقائلاُ " يسقط القذافي وطز في الأمن والمخابرات من أراد أن يبلغ عنا فليبلغ لن نسكت بعد اليوم وهتف للثورة مع بعض الشباب والرجال ، وتكررت صورته متقدما الجموع في كل المسيرات اللاحقة ليوم 16 موجها وهاتفا ومشجعا الجميع على التقدم للأمام ، وكان أخر مرة التقيته فيها عندما أوقفت سيارتي بجوار جمع غفير لجماهير الزنتان الثائرة وكانت هناك خيمة صغيرة للاعتصام يقف غير بعيد منها وأومأ إلي بيده لأنتظره فتوقفت وسلم علي وكان صوته مبحوحا ويبدو التعب ظاهرا على تقاسيم وجهه وكان يكرر خلال الحديث معي عبارات الحمد لله ويستر الله والاعتماد على الله وكان يلقي بكل أحماله وأثقاله على القوي المتين ، نعم بالله .
 ثم تفرقنا وشاهدته بالتلفزيون على قناة الجزيرة آخر مرة يستضيف خليل ولد اجدود مراسل الجزيرة في بيته وهو يشرح له بتلعثم واضح فهو شخص لا يجيد المقال كثيرا وأخذ يردد في اللقاء " والله العظيم الحال بكل خلاص والله يا أخي حالنا مانقدرش نحكيلك لا وظائف ولاعمل و لا مستشفي والناس خلاص تعبت والله العظيم تعبت يعني شنو انقولك ... وهكذا " .
 ثم فرضت بعد ذلك عسكرة الثورة نفسها على الثوار وتحولوا بفعل القمع إلى مقاتلين وخاض إسماعيل تلك المعارك مع غيره من الثوار مقداما لا يخاف وتعرض في مرة إلى كمين خطير للكتائب بمنطقة الغنائمة كاد أن يفقد فيه روحه حيث تعرضت سيارته إلى وابل من الرصاص أصاب هيكل السيارة ولكنه نجا من الإصابة ثم توالت الأيام حتى وقوع معركة الرياينة الأولى كما يسميها الثوار حيث توجه إسماعيل ومجموعة معه إلى الطريق الجبلي الرياينة لقطعه ووضع موانع ترابية فيه لأنه الطريق الذي تستعمله الكتائب للصعود إلى الجبل والتمركز بالرياينة وفعلا نجح في ذلك وعند عودته فاجأته أيدي الغدر والخيانة بالرياينة بقاذف اربي جي مزق سيارته وأخرى مجاورة واستشهد إسماعيل على الفور ومعه العديد من الشهداء منهم ابن عمه جمال محمود شوية وساسي مصطفى الغولة وآخرون. فإن لله وإن إليه راجعون ، ونسأل الله سبحانه وتعالى له الجنة مع الشهداء والأبرار والصديقين .
 الشيخ الطاهر اجديع :
 الشيخ الطاهر كما يسميه أهل الزنتان ويعرفونه بهذه التسمية ، وصورته مرتديا الجرد وهو يخطب أمام الثوار ملأت الفضائيات وشبهه بعض المعلقين بالشيخ عمر المختار فلحيته البيضاء ولباسه الليبي وقوة بيانه وشجاعته شدّت إليه الانتباه وسلبت العقول والقلوب وشجعت الكثيرين في ليبيا وخارجها على الثورة والانتفاض ،  رجل في متوسط العمر ينتمي إلى سلالة وعائلة شريفة ومجاهدة وقيادية هم " عيال سالم " ويعرفهم الزنتان " بأهل الحبل والطبل " حيث كان طبل الزنتان الداعي للنفير والجهاد والاجتماع وغيره بعهدتهم وكان منهم مجاهدين كبار وقادة جهاد معروفين ورجال دين وشيوخ ووجوه ميعاد وحل وربط . والشيخ الطاهر شخصية محبوبة من الناس يسعون إليه جميعا لحل مشاكلهم وفض منازعاتهم وخصوماتهم وتوثيق معاملاتهم واتفاقاتهم فهو يحمل خصال التدين والصدق والشهامة والإخلاص والبعد عن مباهج وزخرف الحياة المادية ولكنه في نفس الوقت يتميز بالبشاشة والابتسامة والممازحة في بعض الأحيان مما يشجع الناس على مشاكاته بمشاكلهم والبوح له بهمومهم وأسئلتهم ، كان يعمل معلما قبل أن يتولى الإمامة في مسجد الزنتان الكبير فهو يحمل تأهيلا في العلوم الدينية ، وعرفه الناس هناك بقول كلمة الحق ضد السلطان الجائر ففي أغلب خطبه بالمسجد تذمر من الواقع ودعوة للإصلاح يدعو إلى رفع الربا والغلاء عن الناس وأن ينتبه الراعي لأحوال الرعية البائسة كما يدعو دائما للمسلمين في العراق وفلسطين وأفغانستان بالنصر والفرج ، وقد دفع الشيخ الطاهر ثمنا لذلك حيث كان كثيرا ما يتم استدعاؤه للأمن الداخلي والتحقيق معه واعتقاله حول تلك الخطب.
ومن أهم الأدوار التي لعبها الشيخ الطاهر على جبهة الزنتان والجبل الغربي هو توجيهه المستمر عبر الخطب في المسجد وساحة الاعتصام للشباب بأن يكونوا مسالمين وإن فرض عليهم القتال فعليهم أن يكونوا فرسانا نبلاء لا يهينون أسيراً ولا يجهزون على جريحاً ولا يحرقون بيتا أو يقطعون شجرا أو يغلّوا في القتل وقد كانت قولته المشهورة دائما بمعنى " نحن ثرنا لرفع الظلم فلا يجوز أن نمارسه على غيرنا ،وثرنا تحت راية لا اله إلا الله محمداً رسول الله فلا يجوز أن نبتعد عن هدي القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ، وثرنا من أجل العدل فلا يجوز أن نجهض نحن العدالة  " ، وقد كان لهذه التوجيهات الأثر الأكبر في رسم ملامح النضال الوطني على جبهة الزنتان وتم الالتزام الصارم من الجميع بهذه التعليمات بحكم أن الشيخ الطاهر شخص مسموع الكلمة ويأخذ برأيه الجميع ، وكانت مواجهة الثوار بالزنتان مواجهة أسطورية وتاريخية أيدها الله بنصره فلم يخسر الثوار فيها أية معركة نظرا لأنها مواجهة المؤمنين الصابرين المرابطين الذين نصروا الله سبحانه وتعالى فنصرهم .
ولا يزال شيخنا الطاهر يقود جموع الثائرين هناك يستمعون لكلامه ويستمتعون برؤيته فقد أضحى رمز مشرف لهم ولإخوتهم الليبيين في كل مكان .
المصدر: ليبيا اليوم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق