الثلاثاء، 14 يونيو، 2011

ثورات وثروات العرب

محمد مبـارك الكيومي: ان الصورة تتكلم، والصورة هنا ابلـغ من تلك الاقـلام التي زمرت وطبلت وصفقت لانظمة عربيـة قمعية همها الاول التقليد الاعمى لاي منظومة اشتراكية او رأسمالية او شيوعية 'خرسانية' او 'اسمنتية'، جاهزة ومطابقة لمواصفات الغرب تتنافي مع بيئة الشرق ولا تتكيف مع شعوبه، التي ضاقت ذرعا من ولادة ديكتاتوريات مستنسخة على انقاض جمهوريات استقلت عن الاستعمار في ستينات وسبعينات القرن الماضي، وتغنت كثيرا بشعارات قوميـة مزيفة.
وانتقل النظام العربي لاحقا بعد ان هرم وشاخ وبشكل دراماتيكي الى مرحلة الاحتضار السياسي، وادى ذلك الى ولادة مباغته لما يعرف بمصطلح 'الجمهوريات الوراثية' في الشرق الاوسط، في الوقت الذي تغيرت فيه النظم الغربية وابجدياتها السياسية وتغيرت معها البراغماتية التي حكمت الغرب ووضعت من الحوكمة والمصلحة السياسية الشكلية فوق كل اعتبار، خطا احمر لا يمكن تجاوزه والالتفاف حوله بمجموعة من الرزم والمبادئ او الثوابت الكرتونية المزيفة السامية، في زمن ولت فيها مخترعات الماركسية والرأسمالية وتبرأ الغرب من افكار ماركس ولينين بينما تشبث حكامنا نحن العرب بمبادئ سقيمة ومتحجرة تعود الى حقبة الحرب الباردة وهي غير صالحة للاستعمال الادمي في حقبة ما بعد الالفية الجديدة، وكـان نتاج تلك الأنظمة القمعية التي حكمت المنطقة عقودا من الزمن بيد من حديد والمحصلـة النهائية لتلك النظم الوضعية، مزيـدا من الفقر المدقع ومزيدا من البطالة ومزيدا من كبت الحريات ومزيدا من الطبقية والفساد الذي اخذ ينخر ويزكم الانوف في ارجاء المعمورة من الجسد العربي، وفشلت الانظمة العربية وترسباتها الثورية وما ترتب عليها احتوى معضلات ومشكلات كانت قائمة في العالم العربي ما قبل ثورات التحرر وفشلت تلك الانظمة الوضعية فشلا ذريعا في الحفاظ على مكتسبات الثورات العربية وفي تلبية تطلعات الشعوب العربية من المحيط الى الخليج، بل زاد من الطين بلـة سيادة موضة التبعية السياسية للغرب وتفرده وتأثيره على صناعة القرار السياسي، وهزالـة القيادات العربية وحكمتها في توجيه دفة الامور في احلك الظروف التي مرت بها المنطقة، وما خلفه ذلك من اتساع الفجوة بين الحاكم والمحكوم، واتساع الهوة بين الطبقة الفقيرة والطبقة الغنية وانجراف او اندثار ما كان يعرف بالطبقة المتوسطة، وتشرذم الشخصيات المعارضة 'الهزيلة' لانظمة الحكم هنا وهناك في اصقاع العالم التي تقمصت ادوارا تبنتها الدول والمنظمات الغربية وتصيدتها للتدخل في الشؤون الداخلية لدول المنطقة، كل تلك العوامل أوجدت بيئة مناسبة لميلاد ثورة مخملية جديدة مضـادة ومباغتة بين اوساط فئـة الشبـاب، سميت 'بالثورة المعلوماتية' استخدمها المدونون او ناشطو الانترنـت للتعبير عن تطلعات الشعب العربي وحنينه نحو التغيير.
ايها العالم ان الشعوب العربيـة ليست صمـاء أمـام انظمة عربية اسمنتية 'خرسانية بكماء عمياء خرسـاء لا ترى ولا تسمـع ولا تحرك ساكنا ولا تعي ما يدور حولهـا من احداث ومن حراك سياسي متجدد بين اوساط طاقات الشباب المعطلة. وما شهدته المنطقة اخيرا من احداث خير برهان على ان تلك النظم فقدت مصداقيتها وشرعيتها امام الرأي العام والعالم اجمع، وانها لفظت انفاسها الاخيرة ودخلت مرحلة الاحتقان السياسي باستبدادها على شعوبها ولجمهـا للحريات وتكبيلها للديمقراطية طيلة عقود من الزمن، لا بل ربما كانت اشد استبدادا من الاستعمار البغيض نفسه، ولم لا وهي احد مخلفات وصنيعة ذلك الاستعمار الحاكم في المنطقة، الجاثم فوق صدور مئات الملايين من المحيط الى الخليج وما افرزه من بقايا وفضلات الى يومنا هذا، والتي ادت الى ولادة انظمـة عربية سطحية الشكل والمضمون على انقاضه، وتحورت تلك النظم الوضعية كالجينات الوراثية وتحولت كالجرذان وبشكل تدريجي الى 'جمهوريات وراثية' مع تقادم الزمـن ومـروره وسط صمت العالم المتحضر الذي يدعي الديمقراطية واخواتها، بينما كانت الشعوب العربية تخلد في سبات عميق، واصبح منصب نائب الرئيس او ولي العهد شـاغرا لابناء ذلك الرئيس العربي او صهره، باعتباره الوريث وبصك شرعي من دون اي منافس او منازع او وازع اخلاقي يحتم عليه اجراء انتخابات شكلية مزورة تدخل في خانة التعددية الحزبية للحزب الواحد والمرشح الاوحد او استفتاءات معروفة النتائج مسبقا تكسر حاجز التسعة اعشار في المئة.
فلطالما كانت الشعوب العربية عصية على جلاديها وحكامها المستبدين الذين احرقوا الحرث والنسل في بلاد العرب واستعبدوا شعوبهم دهورا، وتحولت دولهم الى اقطاعـات ملكية خاصة او 'شركة مساهمة خاصة' يمتلك اغلب اسهمها الطبقة المتنفذة في الحكم ويديرها ابناء الملك وعائلته كيفما يشاؤون، فسجـل يا تاريخ العرب ان محمد البوعزيزي الابن البـار لمنطقة سيدي ابوزيد الذي انجبته تلك الولاية التونسية من رحم الفقر والظلم والاستبداد والفساد الذي ينخر انظمة الحكم وقدمته نموذجا مشرفا ورمزا من رموز الحرية والتغيير والاصلاح السياسي في مشروع الشرق الاوسط الجديد، ان البوعزيزي لم يصعد على اكتاف الجماهير العربية طلبا للشهرة او طمعا في منصب سياسي كباقي الرعاع السياسييـن والانتهازيـين العرب، ولم يكن ناشطا او مفكرا سياسيا، ولم يتقمص حتى اي دور في مشروع الشرق الاوسط الجديد ولم يكن في الحسبان ضمن القائمة الامريكية الجديدة حسب الرؤية الثاقبة لـ'ماما امريكا' ومشروعها الاصلاحي والديمقراطي الرامي الى احداث تغييرات جذرية في نظام الحكم العربي او حتى لم تتبناه وهو حي يرزق المنظمات العالمية الداعية الى الحرية والديمقراطية والتغيير وتتصيده تلك المنظمات 'ككبش فداء محلي'، بل كان مـواطنا عربيا بسيطا ذنبه الوحيد الذي اقترفه في حياته وحمله الى مثواه الاخير في مقابر سيدي ابو زيد انه شاب عربي يحمل الشهادة الجامعية التي لم تشفع له في الحصول على وظيفة مناسبة في حقل تخصصه في زمـن استشرت فيهـ ظاهرة 'المحسوبية' وولت فيه تلك الشهادة الكرتونية الزائفة من غير رجعة وتحولت الى عـار في جبين من يحملها يلازمه اينما رحـل والحلم الذي تحول الى كابوس يلاحقه اينما ارتحل، ان مشهد اضرام النـار في جسد البوعزيزي لتنديد بالاستبداد كانت بمثابـة كلمة 'حق في وجـه سلطـان جائر' وصرخـة في وجه الظلـم والاستبداد الذي فرضته قسرا النظـم الاستبداديـة بعد ان استنفدت كافـة الخيارات والوسـائل المتاحة امامه للتعبير عن رفضـه للسياسات التخبطية لنظام زين العابدين لعلـه يستعيد بعضا من عزته وجزءا من كرامته بعد الصفعة التي تلقاها امام الملأ في وجهه من شرطيـة بعد مصادرة عربة الخضار مصدر رزقه الوحيد، والتي ترجلت امامه وصرخت باعلـي صوتـ باللكنـة الفرنسية بقولها ارحـل، ولحفظ ماء وجـهه اضرم البوعزيزي النار في نفسه، وكان وقع هذا الحدث جسيمـا على ابناء ولاية سيدي ابوزيـد التي انطلقت منها الشرارة الاولى للثورة التونسية، ولم تمر مرور الكرام على ابناء تلك الولاية واشتعلت تونس من اقصاها الى اقصاها واشتعلت الثورات العربية المتلاحقة في كل من مصر وليبيـا واليمن وسورية والجزائر وتحولـت كلمـة 'ارحـل' شعـارا للثورات العربيـة يردده المتظاهرون والمعتصمون من المحيط الى الخليج 'ودائمـا النار تأتي من مستصغر الشرر'.
ايهـا العالـم .. ان الشعوب العربية تمهل ولا تهمـل وها هي تتنفس الصعداء بعد ان لفظت انفاسها الاخيرة وتهاوت عروشها كما تتهاوى لعبة الدومينو الواحدة تلو الاخرى من المغرب الى المشرق، وابرزت تلك الاحداث المتواترة من الشرق الأوسط مدى هشاشة صمود تلك الانظمة الكرتونية على الورق أمام قوة جحافل شعوب الكرامـة العربية على الأرض، وكان عام 2011 وتداعياته زلزالا سياسيا بامتياز لا يقل تأثيره على المدى البعيد عن احداث الحادي عشر من ايلول/سبتمبر على المنطقة ككل، ليسجل واحدا من المفارقات العجيبة والمضحكة وفي أن واحـد في السياسة الدولية الراهنـة.
فبعد ان عجزت الولايات المتحدة الامريكيـة وحلفاؤها بعد ان اتخذت من لغة القوة خيارا صعبا في تحقيق ما تصبو اليه من ادخال تغييرات جذرية وجذعية في نظام الحكم القائم بالمنطقة، حسب التصنيف الجديد في مشروع الشرق الاوسط الكبير الذي انطلقت تباشيره الاولى بغزو العراق واسقاط نظامه ومع تجرع الولايات المتحدة طعم الهزيمة وتورطها حتى قدميها في اوحال المستنقع العراقي ودفع ثمن باهظ لمغامرتها الفاشلة في ارض الرافدين في وضع مدان من المجتمع الدولى ومستدان من اللوبي اليهودي الضاغط على السياسة الامريكية التي عودتنا دائما ان ندفع ضريبة ذلك النفوذ من جيوبنا نحن العرب المليئون بعوائد النفط والغاز، كل ذلك اوجد نوعا من ازدواجية في المعايير الدولية، ذلك ان الولايات المتحدة الامريكية فشلت من الخارج في تطبيق نظريتها الخاصه بمشروع الشرق الاوسط الكبير وعلى ظهر دبابة امريكية بعد ان فتحت ترسانتها العسكرية يوما مـا حسب النظرية النسبية ـ عذرا نظرية النسبة والتناسب- امام اجندتها المارقة في الشرق الاوسط ورصدت المليارات واستنفرت جيوشها وجندت مرتزقتها وعملاءها من معارضين عرب بالمهجر الذين ارتموا في احضان الغرب ومن يمثلهم من ادخـال تغييرات جذرية وجذعيـة على نظام الحكم القائم بالمنطقة حسب رؤية العم سام الثاقبـة، الا ان تلك الجهود باءت بالفشل امام الرهان الشعبي العربي الذي أبـي ان يقبل الذل والخنوع والسيطرة على مقدراته برسم 'الاصلاح والتغيير من الخارج وعلى ظهر دبابة امريكيـة' وغيرها من الشعارات الغربية المعلبة وتحقيق ما تصبو اليه من مآرب اخرى في الشرق الاوسط، ومع تغير اتجاه بوصلة الاحداث لصالح كفة الشعوب العربية بعد ان قلبت معادلة الصراع على السلطة بالشرق الاوسط رأسـا على عقب والتي رفعت شعارات التغيير، حسب فلسفتها وثقافتها من الداخل بعنوان 'لا ضرر ولا ضرار ان يكون التغيير على ظهر عربة خضـار' للبوعزيزي طبعا' وحملت نعش الحرية والتغيير على اكتاف الجماهير اثناء مواراة الثرى لجثمان محمد البوعزيزي في مقابر سيدي ابوزيد، وبعفوية البوعزيزي وغوغائية الشعوب المسعورة من داء جنـون الديكتاتوريات العربية وفي ظرف زمان قصير وظرف مكـان ليس ببعيد من دائرة الاحداث بدأت تتشكل معالم شرق اوسطي ديمقراطي جديـد على انقاض ما يعرف بالشرق الاوسط الكبير غير محدد الملامح وغامض المعالم حتى اللحظة.
كاتب ومدون عمانـي
المصدر: القدس العربي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق