الثلاثاء، 17 مايو، 2011

درنة: مدينة ليبية مهملة تكافح لتبديد صورتها كمعقل للقاعدة

ديبا بابنجتون: بعد أن تمكن منه الشعور بمرارة السجن والغضب لما اعتبره قمعا وحشيا من الزعيم الليبي معمر القذافي للاسلاميين قرر عبد العزيز لاياس أنه سيكون اكثر نفعا كمسلم لو سافر ليقاتل الامريكيين في العراق.

قال لاياس في مسجد ذي قبة ذهبية بدرنة علقت على أحد جدرانه مئات الصور لشبان قتلتهم أو عذبتهم قوات الامن الليبية "في احدى المراحل فقدت الشعور بادميتي."

وأضاف "كنت بحاجة الى التعبير عن نفسي. أقاربي كانوا في السجن وحاولت الدفاع عما أؤمن به لكنني لم أكن أحدث أي فرق هنا لهذا فكرت في الذهاب الى العراق."

وبعد ثماني سنوات يجد لاياس نفسه الان في صف الامريكيين الذين كان يطلق عليهم نيران بندقيته الكلاشنيكوف في بغداد. هو الان يدعم مقاتلي المعارضة الليبية المسلحة الذين يسيطرون على شرق البلاد.
ويقول انه كان مستعدا "للاستشهاد" من أجل القضية ضد الولايات المتحدة.

بل انه تلقى تدريبا في معسكر عراقي عام 2003 علقت عليه لافتة كتب عليها ان الشيطان سيطلب الرحمة اذا دخله. لكنه يقول انه لم تكن له صلات بتنظيم القاعدة. كان الفقر وعدم وجود مستقبل في ظل حكم القذافي هو ما دفعه الى هذا.

وسبب هذا مشكلة لصورة مدينة درنة التي أصبحت رمزا للمخاوف الغربية من أن حركة المعارضة الفوضوية بليبيا ربما تأوي متطرفين اسلاميين ومتشددين مرتبطين بتنظيم القاعدة او أن تستغلها هذه العناصر.

ولفترة طويلة اعتبرت درنة متعاطفة مع الاسلاميين. وضمن قائمة للمقاتلين الاجانب في العراق انتشرت على نطاق واسع وعثرت عليها القوات الامريكية عام 2007 في بلدة سنجار تبين أن مدينة درنة الواقعة بشرق ليبيا وحدها لها 52 مقاتلا بين عدة مئات وردت اسماؤهم في القائمة.

وينفي سكان درنة بقوة اي صلات بتنظيم القاعدة وحتى الآن لا توجد أدلة تذكر تشير الى أن التنظيم كان له وجود في شرق ليبيا على الرغم من مزاعم القذافي بأن قوات المعارضة المسلحة تضم متشددين من القاعدة بين صفوفها.

لكن قوى غربية ومحللين يخشون من ازدياد احتمال أن يستغل المتطرفون الفراغ الأمني واي خيبة أمل بين مقاتلي المعارضة كلما طال الصراع الليبي. وبعد نحو ثلاثة اشهر وصلت الحرب الى حالة من الجمود اذ يسيطر القذافي على معظم الغرب وتسيطر المعارضة المسلحة على الشرق.

ويقر رئيس الذراع التنفيذية للمجلس الوطني الانتقالي المعارض في درنة بوجود هذه المخاطر لكنه يرفض فكرة أن بلدته التي يعيش بها 100 الف نسمة تأوي اسلاميين متشددين. ومثل اخرين هنا يقول ان البلدة مليئة فقط بالمسلمين الذين استهدفهم القذافي ظلما.

وقال محمد المسوري "في درنة يمثل المتطرفون نسبة صغيرة جدا من السكان... لكن اذا لم يحل الغرب هذه المشكلة بسرعة فسيأتي المتطرفون."

وتشن درنة في الوقت الحالي حملة لتظهر أنها ليست موطنا للمتشددين وعلقت لافتات بالانجليزية تقول "الانتفاضة خيارنا لا القاعدة" و"نرفض الربط بيننا وبين القاعدة والجماعات الارهابية الاخرى" لتوصيل الفكرة للمراسلين الاجانب. وسارع معظم من أجريت معهم مقابلات الى القول انهم سعداء لمقتل زعيم تنظيم القاعدة اسامة بن لادن.

اما بالنسبة للزائرين فلا توجد مظاهر واضحة تذكر تشير الى أن درنة اكثر من مجرد بلدة مسلمة محافظة جدا. فمناخ عدم الثقة والعداء الواضح تجاه الغربيين الذي ساد مدنا عراقية مثل بعقوبة والموصل في الاعوام التي أعقبت الغزو الامريكي هناك غير موجود هنا.

لكن سكان درنة متأكدون أن مدينتهم عانت بشدة تحت حكم القذافي الذي قالوا انه كان يتعمد حرمانها من الاستثمارات بعد محاولات للثورة على حكمه بدأت عام 1970 بما في ذلك ثورة قادها الاسلاميون عام 1996 .

كان لابد أن تصبح درنة بتلالها الخضراء المطلة على مياه البحر المتوسط بلونها الازرق السماوي منتجعا سياحيا غنيا.

لكنها عبارة عن مبان متهدمة وشوارع تتناثر فيها القمامة. ويقول عبد الكريم بن طاهر (60 عاما) وهو استاذ للغة الانجليزية بجامعة درنة ان معظم شبان البلدة عاطلون وان الحكومة شجعتهم على القتال في حروب بالخارج حتى لا يثيروا اضطرابات في الداخل.

وقال بن طاهر "القذافي أهمل درنة لا توجد مصانع ولا اي شيء يمكن فعله هنا... اضطر الشبان الى الخروج من هذا المكان ولم يكن هناك مكان ليذهبوا اليه فاتجهوا الى مصر ثم سوريا ومنها الى العراق."

وأضاف أن الحملة على الاسلاميين كان معناها أن من يشتبه في انتمائه لهم اما يسجن على الفور او يختفي.

وفي المسجد الذي علق السكان على أحد جدرانه صور أقاربهم الذين قتلوا خلال حكم القذافي الممتد منذ اربعة عقود لكل شخص قصة محزنة عن الموت والفقد.

بكت الحاجة سلمى عبد الله (77 عاما) وهي تنظر الى صورة ابنها عادل على الجدار.

كان في الثانية والعشرين من عمره حين قتل في سجن ابو سليم وهو واحد من نحو 100 من ابناء درنة قتلوا في مذبحة شهدها السجن عام 1996 يقال انها أودت بحياة ما يزيد عن 1200 شخص.


وقالت "أخذوه لانه كان ملتحيا ويصلي. كان عائدا من طرابلس وتوقف للصلاة في مسجد باجدابيا. الامام لم يكن موجودا فأذن هو للصلاة وألقي القبض عليه."

وتقول الحاجة سلمى انها هي وأسرتها لم يعلموا شيئا عن مصير عادل حتى عام 2009 وظلوا يأخذون الطعام والملبس لابنها في السجن لسنوات بعد وفاته.

وقالت "كان مسلما خالصا. لم تكن له صلات سياسية... كان يقرأ القرآن وهذه كانت جريمته. القذافي كان دائما ضد المتدينين."

وأشار احمد عبد السلام (61 عاما) الى صورة اخيه في ملابس الجيش الذي أعدم بعد محاولة انقلاب قام بها ضباط من درنة ضد القذافي عام 1975 . يقول عبد السلام انه فصل من القوات الجوية الليبية بعد مقتل اخيه ثم أجبر بعد ذلك على التقاعد المبكر من وظيفة حصل عليها بقطاع الطيران المدني.
وقال عبد السلام "ذلك الرجل ليس انسانا" مشيرا الى القذافي.

اما فيما يخص لاياس فانه يقول انه أدرك أن مهمته التي استمرت شهرا في العراق انتهت بعد أن وجد نفسه في حفرة حفرها على جانب طريق هو ومقاتلون اخرون يحاول جاهدا أن يرى من خلال الغبار المفاجيء الذي غلفهم مع مرور دبابات أمريكية.

وقال لاياس وهو الآن مدرس لبرمجة الكمبيوتر في درنة "شعرت أنني لا ادري ماذا أفعل هناك... مهتمي فشلت لكنني على الاقل نجحت في التنفيس عن جزء من الطاقة."

درنة (ليبيا) (رويترز) -


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق