الأحد، 24 أبريل، 2011

جمهور مناظرات الدوحة يرحب بتدويل أزمة ليبيا بعيدا عن تقصير العرب

رنا الصباغ/ الدوحة: الحلقة الحوارية التي تناولت الازمة الليبية ضمن سلسلة "مناظرات الدوحة" المخصصة لثورات العرب كانت مثيرة ومفعمة بالمناقشات المتضادة.


أظهرت تلك المناظرة ميل الجمهور ذي الصبغة الشبابية إلى إبعاد الحكومات العربية عن لعب دور في الازمة الليبية, إذ وصفوا غالبيتها بأنها عاجزة عن ترويج مفاهيم الديمقراطية وحماية المدنيين. وصبّت الاراء باتجاه ترك النزاع إلى معالجات حلف الشمال الاطلسي (الناتو). تجلّى هذا المنحى في تصويت الجمهور بمشاركة طلاب ليبيين ومهنيين يعملون في العاصمة القطرية فضلا عن ساسة ومثقفي ليبيا في المنفى ممن أمّوا الدوحة للمشاركة في الجلسة المتلفزة التي عقدت قبل أيام.

وسط جلسة عاصفة لم تخل من مساجلات ومناقشات متضاربة, استمع الحضور لادعاءات متكررة بأن حكوماتهم تفتقر إلى القوة العسكرية, ناهيك عن الالتزام الادبي والاخلاقي لحماية المدنيين في ليبيا, المشتعلة منذ نحو شهرين بمعارك كر وفر بين كتائب معمر القذافي المتمترس في طرابلس ورجال الثورة المسلحين شرقي البلاد - وهم خليط من قوى داخلية غير متماسكة أو متجانسة, على ما تقر به قوى المعارضة إلى جانب مجاهدين حاربوا القوات الامريكية في العراق بالتعاون مع تنظيم "القاعدة".

الطالبة عائشة ضليل من مدينة مصراتة الليبية, مسرح معارك شرسة بين كتائب القذافي والمتمردين, قالت للحضور: "الليبيون كانوا يتطلعون للعون من العرب. وعلى مدى شهر كانوا يصرخون طلبا للنجدة, لكن لم يستجب أحد لهم. ولم يكن بمقدورنا الانتظار شهرا آخر".

في المحصلة صوّت 55% من الحضور ذي الغالبية العربية ضد ثيمة حلقة المناظرات: "هذا الجمع يعتقد أن على العرب, وليس حلف الناتو, معالجة الاوضاع (المتفجرة) في ليبيا".

الدكتور عمر عاشور, رئيس دراسات الشرق الاوسط في جامعة اكستر البريطانية, استدرج تصفيق جانب من الحضور حين قال في معرض رفضه لثيمة الحلقة: "الليبيون يدفعون ثمنا غاليا من أجل حريتهم. أرجوكم لا تخيبوا آمالهم بالقول.. انتظروا حتى تأتي بيروقراطياتنا غير الكفؤة لإنقاذكم". وجادل الدكتور عاشور بأن الدول العربية ذاتها هي معادية للديمقراطية وحقوق الانسان, لافتا أنها أبدت عدم اهتمامها حيال تفجر الاوضاع في مناطق أخرى من المنطقة. وضرب مثلا على ذلك الصمت ضد العمليات الدموية التي "شنّها النظام السوري لقمع الاسلاميين في حماة مطلع ثمانينيات القرن الماضي, والمواجهات بين النظام الجزائري والاسلاميين, وفي العراق وغزة وغيرها من بؤر التوتر. أيضا في لبنان, كانت النتائج كارثية حين قادت سورية قوات الردع العربية بغطاء من الجامعة العربية (قبل ثلاثة عقود), لوقف المجازر التي ارتكبت خلال الحرب الاهلية الاخيرة".

وخاطب د. عاشور الحكومات العربية: "ما دمتم لا تمثلون شعوبكم, وتواجهون أزمة مع الديمقراطية وحقوق الانسان, وتحرمون مواطنيكم من حقوقهم الاساسية, لا يحق لكم تقديم المواعظ للآخرين". وتابع إذا كان الهدف النهائي هو بناء ليبيا جديدة, فالعرب لا يوجد لديهم ما يقدمونه لمثل هذا المشروع. إلى ذلك تساءل عن "الادوات التي يمتلكها العرب للضغط على القذافي".

الصحافي والكاتب الليبي المقيم في أمريكا فاضل لامن حمل طرحا مشابها ضد ثيمة الحلقة. إذ اعتبر لامن أن المهمة الانسانية المطلوبة هي أصلا فوق طاقة العرب. وقال: "الجامعة العربية مجرد مجموعة من الدول تعتمد على حماية السياسات الخارجية للأنظمة وليس لها أسنان لفرض أي تدخل عسكري".

وخلص المشاركان أن أي تدخل عربي في ليبيا كان يمكن أن يفضي إلى سقوط المزيد من الضحايا بين المدنيين.

في الخندق المقابل, اصطف إلى جانب الثيمة محمد علي عبد الله, نائب أمين عام الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا, من أشهر التنظيمات المعارضة في المنفى. فبحسب عبد الله, كان على العرب التدخل لمعالجة الازمة في ليبيا, بحكم الجوار الجغرافي, وتشاركهم في الثقافة, اللغة, الموروث الديني وغيرها من الخواص الجامعة. ورأى "أن فرصة معالجة هذه التجربة على مستوى إقليمي فاتت العرب. لكن فرصة التدخل ما تزال قائمة", لافتا إلى أن على "تونس ومصر قيادة التدخل في ليبيا, خصوصا بعد أن أطاحت ثورتا شعبي البلدين برئيسيهما مطلع هذا العام, وفتحت المجال أمام الشعب ليقرر مصيره بدلا من ترك ذلك للأنظمة". فاليافطات التي يرفعها المتظاهرون باللغة الانجليزية لا تعني أنهم يريدون مساعدة خارجية.

المتحدث الاخر إلى جانب الثيمة كان بول سالم, مدير مركز معهد كارنغي في الشرق الاوسط (بيروت). قال سالم إنه كان يفترض أن تبادر الدول العربية بقيادة مصر, مدعومة من تركيا, إلى بناء تحالف عسكري من أجل حماية الليبيين بخاصة بعد "أن انتفض العرب ضد أنظمتهم وبدأوا المطالبة بالحرية والديمقراطية".

وأضاف: "كان يجب على العرب وضع نقودهم في المكان المناسب", معتبرا أن "الوقت ما يزال مفتوحا أمام دول عربية أخرى للمشاركة في الجهد العسكري على نحو فاعل لأن أمام ليبيا وقتا طويلا" قبل الخروج من أزمتها. أشار في هذا السياق إلى المساهمات العسكرية لقطر, الامارات العربية المتحدة والاردن في إطار حلف الناتو, الذي بدأ تنفيذ قرارات الامم المتحدة لحماية المدنيين الليبيين قبل أكثر من شهر.

وأكد سالم أن "جميعنا مسؤولون لحماية الليبيين وعلى العرب أن يكونوا في المقدمة", قائلا: "كان علينا قيادة الجهد لإطفاء النيران المشتعلة في عالمنا". وبينما لفت إلى أن العرب اخذوا دور الصدارة على مستويات غير عسكرية, من خلال قيادة الجهد الدبلوماسي الذي أفضى إلى بلورة قراري الامم المتحدة 1970 و1973 اللذين أتاحا التدخل العسكري في ليبيا, اشتكى سالم في المقابل ب¯ "أننا غبنا عن دور الصدارة بعد ذلك".

في ختام مداخلاتهم, تعرض المتحدثون الاربعة لوابل من الاسئلة. قال شاب مصري لمعارضي الثيمة: "من المضحك أن يؤكد المتحدثون أن على الناتو التدخل لحماية الليبيين ونشر الديمقراطية بعد أن دعمت الدول الغربية الانظمة الدكتاتوية في العالم العربي وضمنت سلطتهم لعقود لحماية مصالحها". وقال آخرون إن للدول الغربية المساندة للتحالف مصالح في ليبيا تتخطّى الاهداف المعلنة للعمليات العسكرية. ثم رد د. عاشور قائلا: إن الدول عادة لا تعمل كالمنظمات المتخصصة في مجال العون والاغاثة وهي بالتأكيد لديها مصالح تريد أن تحميها".

ولفت أن لدى العرب مشكلة دائمة مع "المؤامرة", ثم تساءل: "إذا كان كل واحد في الغرب يعد لمؤامرة فأين مؤامراتكم?

مشارك من العراق دعا الحضور وسائر العرب إلى الثقة بجامعة الدول العربية, فرد عليه أحد المدعوين من مصر: "يجب علينا تغيير دور جامعة الدول العربية".

باختصار بازار الافكار المطروحة كان مثيرا ويعكس أزمة ثقة شباب العرب بحكوماتهم وأيضا عامل الشك بنوايا الدول الغربية. وضع المشاركون عيوب العرب تحت المجهر وسلطوا الضوء على مآرب الغرب.

وفوق ذلك حامت مخاوف من أن تستنزف ليبيا في حرب طويلة بين نظام القذافي والثوار, وظهر كليهما إلى الحائط في معركة الاصفار. وظل السؤال معلقا: أين دور العرب في المستقبل? ومن الطرف الذي سيخرج منتصرا في ليبيا وغيرها من ساحات المواجهة بين الاستبداد وتطلعات الشعوب?.

المصدر: العرب اليوم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق