الخميس، 14 أبريل، 2011

فضائيات الليبية والسورية واليمنية واخواتها: تلفزيونات كافية لتثور الشعوب على حكامها!

توفيق رباحي: ما زلت مواظبا أتحمل مشاهدة الفضائيات الليبية واليمنية والسورية والجزائرية وأخواتها في هذه الأيام الاستثنائية. هذا وحده جهاد! أتناول ما أستطيع من منشطات وحبوب هلوسة تورّدها شركة 'القاعدة' العالمية للقتل والترويع مما فاض من مخزونها في ليبيا.

في الفضائية الليبية ما يزال الدكتور يوسف شاكير وحيدا ضد الجميع. هذا الرجل لم يتعب ولم يكل بعد. كأنه يتحداني، كلما انتظرته أن يغيب أو يعتذر، أطل عليّ ملوحا بمسبحته. أصمد وأقاوم من أجل أن أتمكن من مشاهدة شيء مختلف، فيزداد هو إصرارا وعنادا على الظهور في الفضائية الليبية الى ساعة متأخرة من كل ليلة. وكل ليلة تشبه سابقتها إلا من حيث لون ربطة العنق التي يلبس.

في كل ليلة يأتي الدكتور يوسف شاكير بربطة عنق جديدة. عندما بدأت كتائب العقيد معمر القذافي والعائلة تسترجع بعض المدن والمناطق من الثوار، قال إنه كلما سقطت بلدة في أيدي الكتائب اشترى ربطة عنق جديدة. مرة خاطب المشاهدين قائلا: 'الدنيا فلّ ومئة في المئة، وشوفوا هاذي الكرافته الجديدة هي الدليل'.

عندما طال تعادل الفريقين في مباراة اجدابيا والبريقة منذ عدة أيام بلا غالب ولا مغلوب، اعتقدت أن تجار ربطات العنق 'أكلوها' لأن الدكتور شاكير سيتوقف عن التبضع عندهم طالما تعرقلت الانتصارات. لكن يحدث أن الدكتور يأتي يوميا بربطة عنق جديدة مختلفة!

ليس هناك جديد مع الدكتور شاكير.. قاموس الشتائم والقذف والتجريح هو ذاته، إلا من هذا الأمر اللافت للانتباه: منذ أشاهده لا أذكر أنه انتقد أو هاجم وزير الخارجية الليبي المنشق موسى كوسا رغم الصفعة التي شكلها انشقاقه عن عائلة القذافي. بترتيب الأهمية والخطورة، وقياسا بما طال السفيرين عبد الرحمن شلقم وعلي الأوجلي والمعارضين محمود الشمام وجمعة القماطي وخليفة حفتر وغيرهم، من اتهامات وشتائم وبذاءات على لسان شاكير، بترتيب الأهمية يجب أن ينال كوسا نصيبا أعظم من الشتائم آناء الليل وأطراف النهار. لكن لسبب ما، لا يجرؤ الدكتور صاحب اللسان السليط الذي يرتل ترتيلا عن الهرج والمرج وينتظر الريح الصفراء والطير الأبابيل (والذي ينصب بعلى ويرفع بإلى كأن يقول وهو يقرأ من ورقة: نحن في حربُ، وليبيا عصية على التخريبُ، والعار للإرهابيون)، لا يجرؤ على ذكر اسم كوسا الذي لا مبالغة في وصفه بمكتبة الأسرار المتحركة أو الصندوق الاسود للنظام الليبي.

ربما يجب التوجه بالسؤال الى القائمين على برنامج 'عشم الوطن' في المخابرات ودوائر سيف الإسلام. أما شاكير فمجرد منفذ مطيع و'عشم الوطن' هو السلاح البديل عندما ارتبكت الأجهزة العسكرية وانهارت الآلة الدبلوماسية.

وددت أيضا أن يدلني القراء هل تعرضت البطلة المغوارة هالة المصراتي الى كوسا منذ إعلانه التخلي عن القذافي والعائلة، فقناتها لا تصل بيتي لأن 'الهوائي المقعّر' الذي بحوزتي لا يسحب نايل سات وعربسات حيث تبث 'الليبية'.

في سورية لا يختلف الأمر كثيرا عن ليبيا. هؤلاء السابقون وأولئك اللاحقون! عندما تخلت ليبيا عن أسطوانة العدو الخارجي والقاعدة والإرهابيين، استلمتها الفضائيات السورية، مع فارق أن عند سورية قائمة الأعداء جاهزة ولا يحتاج الأمر لعناء كبير أو تشبث مفرط بشماعة القاعدة. هناك شماعة الإخوان. وإذا لم تنفع هناك اسرائيل. وإذا لم تنفع هناك لبنان أو فصائل لبنانية.

يبدو هامش التحرك أوسع قليلا عند الفضائية السورية من نظيرتها الليبية بسبب قائمة الأعداء هذه. يتضح ذلك من 'خزّان' المتحدثين الذين يستعين بهم التلفزيون السوري وأغلبهم لبنانيون يبدو أنهم أدرى بسورية من السوريين وأحرص على مصلحة الشعب السوري من الشعب السوري!

ومثل ليبيا، الأشرطة المسجلة جاهزة والاعترافات كذلك، وما على المشاهد الطيب إلا الانتظار في بيته لحظة بدء الاعترافات التاريخية والكشف عن المخططات العالمية لضرب استقرار آخر حصن عربي في مواجهة اسرائيل.

هكذا في رمشة عين تحوّلت القلاع الحصينة المحصنة من كل خطر إرهابي أو أمني، نماذج الاستقرار والأمن، الى مرتع لأتباع تنظيم القاعدة ومدمني المخدرات وحبوب الهلوسة يجوبون الشوارع ويطلقون النار عشوائيا على جموع العزّل والشمس في كبد السماء.

يعاني التلفزيون اليمني من محاولة اللحاق بالآخرين وإصلاح ما تفسده المحطات الفضائية الأخرى. لكن يبدو أن الذي يصفه الإعلام اليمني بـ'فخامة الرئيس الأخ علي عبد الله صالح' لا يسهّل مهمة الفضائية اليمنية، ففي كل خطاب أو تصريح علني يخرّب مربعا آخر من مساحته السياسية والإعلامية والدعائية حتى لم يعد ممكنا للفضائية اليمنية أن تصلح ما أفسده 'فخامة الرئيس الأخ' علي عبد الله صالح.

يبدو أن رحيل 'الأخ الرئيس' هو ما تبقى سبيلا للإصلاح وحفظ ماء وجه الشاشة اليمنية.

حسب السيد عبد العزيز بلخادم، وزير الدولة الممثل الشخصي للرئيس بوتفليقة، لأن الصحافيتين أوكتافيا نصر وإيلين توماس فصلتا من عملهما في الإعلام التلفزيوني الأمريكي، فعلى الجزائريين أن يبقوا سجناء تلفزيون بوتفليقة وبلخادم وأبو جرة سلطاني.

سألوه في التلفزيون الجزائري عن رأيه في فتح الإعلام المرئي والمسموع الممنوع على الناس والمجتمع في الجزائر، فردّ بهذا الكلام الشنيع في التلفزيون الجزائري.

وقال أيضا إن الإعلام يتقاطع مع المال والنفوذ ومن شأن هذا أن يقود الى ما لا يحمد عقباه. وتحجج بأن ثلاث شركات أمريكية تحتكر 36 وسيلة إعلامية. لا أعرف هل هذا الرقم المهول صحيحا، لكن هل يفرق كثيرا عن زمرة تحكم بلدا منذ 1962 وتستولي على تلفزيون هو ملك لـ35 نسمة؟

لهذه الأسباب قرر سيادته أن التعددية الإعلامية والتلفزيونية لا تليق بـ35 مليون جزائري، أو هي أكبر منهم، ولذا عليهم جميعا أن يكتفوا ويرضوا بقناة تلفزيونية يتيمة وبائسة تعيش في زمن آخر.

قبل عشر سنوات قال الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الكلام نفسه. آنذاك حمدت الله في السر والعلن أن فخامته وصل الى الحكم متأخرا، في 1999، فكان مستحيلا أن يعيد عقارب الساعة الى الوراء. ولو قدّر الله و'استلمنا' في 1989 أو 1990، ما كانت الجزائر لتذوق ذلك الهامش من حرية الصحافة المطبوعة. كان سيعتبرنا قاصرين ويستخسرها فينا، والحجة جاهزة: الخوف على استقرار البلد ووحدة الشعب. كان فخامته يقصد، عن حق أو باطل، الخوف من عودة 'البولحية' والحرب الأهلية وفتنة تقسيم البلد. واليوم يعيد واحد ممن ابتليت بهم الجزائر الكلام ذاته. ثم يقول إن الجزائر تختلف عن الدول العربية التي شهدت وتشهد ثورات!

أعتقد أن حالة التلفزيون الجزائري وحدها كافية لتسبب ثورة. وكلام السيد بلخادم كاف ليسبب ثورة أخرى. وطريقة تفكير هذه العصابة التي استولت على البلد كافية لتسبب ثورة. ورغم ذلك يقولون، والبلد يغلي، 'نحن لسنا تونس ولسنا مصر'.

أحسدهم على هذه الثقة في النفس وأتمنى أن يقولوا لنا ما هي مصر وما هي تونس المختلفتان عن الجزائر.

كاتب صحافي من أسرة 'القدس العربي'

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق