الاثنين، 28 مارس، 2011

ما بعد القذافي.. الآن وليس غدا؟

أحمد الفيتوري: عقب خطاب القذافي الأول والأخير بعد انتفاضة الشعب في 17 فبراير (شباط) هتفت الجماهير الليبية: «من فضلك يا عقيد زيد تحدي زيد»، وجلي أن هذا الهتاف جاء كرد على ما ورد في هذا الخطاب من تهديد ووعيد.

وقد كنت وسط هؤلاء الليبيين في مدينة بنغازي، عند ساحة المحكمة في شارع شاعر الوطن أحمد رفيق المهدوي، وكواحد من هؤلاء كان صدى هتافنا أن القذافي كنظام انتهى منذ ساعة هذا الخطاب.

وقد تحققنا من هذا في ساحة الانتفاضة وعبر متابعة أجهزة الميديا المتاحة في ليبيا، وكذلك عبر ما رأينا في ليبيا من تتابع استقالات رجال القذافي أو انضمامهم إلى الانتفاضة، خاصة رجال الجيش الوطني الليبي، وقد تحقق ذلك بعد استقلال أغلب البلاد، ودحر فلول القوات الخاصة للنظام الجائر.

وظهر يوم الخميس الماضي الموافق 24 فبراير على التلفزيون الليبي، صوت يخطب عبر الهاتف وكان موجها إلى جماهير منطقة الزاوية التي سيطر عليها المنتفضون، هذا الصوت بكل تأكيد يقلد القذافي؛ جاء هذا التأكيد من العارفين بالأصوات وبالقذافي نفسه وبالجمهور الذي تابع هذا الخطاب، ثم خطب في اليوم التالي وكرر تهديداته وقد يخطب مرة ثانية، لكن ما يفعله هو مجرد تكرار لما قاله في المرة الأولى وظهوره مجرد إثبات وجود محض.

ويمكن لكل متابع مهتم أن يرصد ذلك، كما أن الملاحظ المدقق يدرك أن العاصمة الليبية طرابلس قد خرجت عن السيطرة، رغم أنها في معركة حتى كتابة هذا المقال.

وفي كل الأحوال فإن جماهير الانتفاضة أمام ضرورة تستدعيها الأحداث الآن وهنا، للإجابة عن سؤال ملح: ماذا بعد القذافي الآن؟ بمعنى كيف يمكن المحافظة على أمن البلاد وتسيير أمورها وإدارتها في اللحظة، وهذه الإدارة تعني أنه من اللازم أن تكون ثمة مؤسسة تستطيع القيام بهذه المهمة، وهذا الاحتياج ظهر عند جماهير انتفاضة 17 فبراير في مدينة بنغازي حين هتفت: الجيش والشعب يد واحدة.

ولعل جماهير هذه الانتفاضة في ذلك تستنير بما نتج عن انتفاضتي تونس ومصر، ولعل الحاجة الملحة عندها بلزوم إدارة شؤون الساعة الأمنية والإجرائية كانتا وراء هذا الهتاف، خاصة أنها ضمنت منذ اللحظات الأولى قوة لازمة لها؛ تمثلت في رجال القضاء والمحامين الذين كانوا من أوائل القادة لهذه الانتفاضة، وهم ممن يسهم في إدارة شأنها هذه الساعة.

والجيش الوطني الليبي لم يطلق على المتظاهرين طلقة واحدة، بل أسهم في مدينة بنغازي - مثلا - في اقتحام ما يعرف بمقر القيادة في منطقة البركة، أي مقر قيادة كتائب الأمن العسكرية المعروفة بكتائب خميس (وخميس هذا هو ابن القذافي)، وقد قاد عملياتها عبد الله السنوسي المتهم بجريمة شهداء بوسليم.

هذا الجيش الوطني الليبي، من هتفت جماهير الانتفاضة بأنها يد بيد معه، عانى ما عناه الشعب من إقصاء وقمع، حتى أن ما يملكه من أسلحة دون ذخيرة. وما أشارت إليه الأخبار من قصف بالطائرات لمدينة بنغازي غير صحيح، فقد كان في الحقيقة قصفا لمخازن ذخيرة تقع جنوب المدينة في بلدة الرجمة التي تبعد عن بنغازي ما يقرب 25 كم، وغرض النظام من هذا القصف حرمان الجيش من ذخيرته.

لكن هذا لا يعني ألبتة صحة ما يردد على انتفاء وجود مؤسسة عسكرية في ليبيا، حتى وإن عانت الكثير فإنها مؤسسة بحجم قدرات الشعب الليبي وفي مستوى بقية مؤسساته، وإن لم تكن في مستوى مؤسسة كالجيش المصري أو السوري، فإنها لم تعاني الحل كما حدث مع المؤسسة العسكرية العراقية واللبنانية، وإن لم يكن الجيش الوطني الليبي في المستوى التنظيمي للجيش التونسي فإنه من ناحية القوة أقوى منه بكثير وما زال يمتلك هذه القوة، خاصة بعد أن تكشف الضعف الشديد الذي تعاني منه الكتائب الأمنية الخاصة التابعة للقذافي.

من ناحية أخرى، لا توجد في ليبيا مؤسسة لم يتم العبث بها، لكن المؤسسة العسكرية تملك من الشرعية الوطنية ما يؤهلها لاستعادة روحها؛ فالجيش الوطني الليبي تكون عقب الحرب العالمية الثانية من قادة ورجال المقاومة الليبية ضد المحتل الإيطالي (المجاهدين) الذين منهم من تخرج في الكليات العسكرية العثمانية وحتى الألمانية.

وكان هذا الجيش الذي عرف بالجيش السنوسي إعلاميا لأن قائده الأعلى هو الأمير إدريس السنوسي من أصبح ملك ليبيا عقب الاستقلال، قد شارك في الحرب العالمية الثانية إلى جانب الحلفاء ضد الإيطاليين المحتلين للبلاد وحلفائهم الألمان، من كانت جيوشهم بقيادة رومل في مدينة بنغازي، فأسهم الجيش الوطني الليبي بذلك في تحرير البلاد، وفي وحدة أقاليمها الثلاثة برقة وطرابلس وفزان، ثم حافظ على مكتسبات البلاد، كما لم يشارك ألبتة في قمع شعبه، الذي كثيرا ما خرج متظاهرا ومحتجا ضد النظام أيام النظام الملكي، وفي كل العقود التي سيطر فيها القذافي بعد انقلاب الجيش في سبتمبر (أيلول) 1969.

شارع شاعر الوطن أحمد رفيق المهدوي:

في هذا الشارع في مدينة بنغازي تقع محكمة بنغازي ساحة اعتصام شباب انتفاضة 17 فبراير، هذه الساحة بدأت كأيقونة لما يحتاجه الليبيون جميعا وهو القانون، ما افتقدوه لأكثر من أربعة عقود. وانطلق الاعتصام الدائم لجماهير المدينة منذ الساعات الأولى ليوم الخميس 17 فبراير، ولا يزال مستمرا.

كانت الانتفاضة قد سبقت اليوم المحدد لها، أي يوم 17 فبراير؛ وهو يوم الذكرى الخامسة لمظاهرات ضد النظام قامت في مدينة بنغازي، وسقط فيها أكثر من عشرين شهيدا.

عقب اعتقال المحامي فتحي تربل تجمع أهالي سجناء بوسليم مطالبين بإطلاق سراحه، وذلك مساء يوم الثلاثاء الموافق 15 فبراير الحالي ومن هنا تواصلت الانتفاضة؛ وفتحي تربل هو محامي أهالي مذبحة بوسليم التي قتل فيها من سجناء الرأي بسجن بوسليم في مدينة طرابلس عام 1996 مما يزيد على 1200 سجين.

أما بخصوص الدعوة للوقوف في ذكرى شهداء مظاهرات 17 فبراير 2006، فقد تمت دعوة عبر الـ«فيس بوك» من أجل التظاهر ضد النظام في هذا اليوم، وسرعان ما لقيت هذه الدعوة استجابة بين شباب الـ«فيس بوك»، وقد تصدت أجهزة القذافي لهذه الدعوة عبر الـ«فيس بوك» بأن أقامت صفحات مضادة، وهدد القذافي كل شباب الـ«فيس بوك» الداعين لتلك الدعوة، كذلك نشرت صحيفة «قورينا» الليبية أنه تم الاتصال بمحطة «الجزيرة»، والتفاوض معها حول إمكانية تبنيها لأي حملة مضادة للقذافي، ولوحظ أن القذافي قد أخذ هذه الدعوات التي تتم عبر الـ«فيس بوك» بجدية كاملة، وإن لم ينجح في التصدي لها، لكنه لم يستخف بها، بل يمكن القول إنه بالغ في تقويم أهميتها.

ومن اللافت للنظر أن أول دعوة للوقوف في يوم هذه الذكرى، جاءت عبر الـ«فيس بوك» في صفحة الصحافي مراسل «الجزيرة نت» خالد مهير، وقد جاءت دعوته هذه في أواخر شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي احتجاجا على من وقف مع انتفاضة الشعب التونسي، وقد برر دعوته بقوله، إن على الليبيين أن يقفوا وقفتهم في 17 فبراير، لأنها ذكرى انتفاضة شباب ليبيا وذكرى شهدائها، وإن الليبيين لم يقف معهم أحد طوال الوقت، كما أن الليبيين لم يقفوا مع أهالي من قتلوا في 17 فبراير 2006 وحان وقت رد الاعتبار لهم.

لقد كان شباب ليبيا في الموعد؛ فمنذ يوم 15 فبراير انطلقت الانتفاضة ومستمرة حتى هذه الساعة، وفي يوم 17 فبراير انطلقت في المدن الليبية، البيضاء ودرنة وإجدابيا وطبرق وزوارة والزاوية والكفرة ومصراتة وطرابلس.

وعلى أثر خروج عشرات الآلاف من سكان هذه المدن تم دحر كتائب الأمن، التي كان جل أفرادها من المرتزقة الأفارقة مع أسر العشرات منهم، خاصة في وديان الجبل الأخضر، حيث كانوا تائهين.

وبعدها سيطرت لجان من الأهالي على أمن المدن، وهم من يدير شؤونها، وكونت لجان تنسيقية لهذه اللجان الأهلية في كل مدينة على حدة.

وعلى الرغم من قطع الإنترنت وبقية وسائل الاتصال، والتشويش على محطات التلفزيون الفضائية، تمكنت هذه اللجان من الحصول على وسائل اتصال عبر الأقمار الاصطناعية مباشرة، وتقوم بالاتصال عبرها مع المدن والعالم.

وصدرت بيانات عدة توضح أهداف جماهير الانتفاضة؛ تتلخص في العمل على إسقاط النظام وإقامة دولة ديمقراطية تعددية يشارك في صنعها الشعب الليبي بكل أطيافه.. وتتلخص هذه البيانات في التالي:

- الدولة التي يسعى إليها الشعب الليبي لا تقصي أي طيف من الأطياف السياسية أو الاجتماعية، وتقوم على إرساء مبادئ العدل والتسامح.

- وحدة التراب الوطني الليبي، والتصدي لمحاولات التفرقة بين أبنائه.

- نبذ التخريب والعنف والترويع وعدم اللجوء إلى السلاح بمختلف أنواعه.

- عدم التعرض للأجانب المقيمين في ليبيا وتقديم التسهيلات اللازمة لهم في هذه الفترة العصيبة التي تمر بها البلاد.

- الدعوة الجادة إلى تنسيق الصفوف وإقامة حكومة وطنية انتقالية من رجال الخبرة لملء الفراغ، وضمان الاستقرار والبدء بفاعلية في إدارة المعركة وتوظيف الإمكانات لتحقيق الانتصار الكامل والتواصل مع المجتمع الدولي.

- دعوة الشرفاء من أبناء الوطن المنتسبين إلى القوات المسلحة لحماية ثورة الشباب وضمان نجاحها.

لقد أمكن الآن القول إن مرحلة ما بعد القذافي تلح على جماهير الانتفاضة وقادتها شباب ليبيا، وإن مناضلي ليبيا الزاخر تاريخهم بالتضحيات في الداخل والخارج ولفترة تزيد على أربعة عقود، هم جميعا قد حققوا المهمة التي جعلتهم أمام مرحلة ما بعد القذافي الآن وليس غدا.

* كاتب وصحافي ليبي

مقيم بمدينة بنغازي ومشارك في انتفاضة «شباب 17 فبراير» الليبية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق