السبت، 2 أغسطس، 2014

عَواقِبُ الأحـلَام
هشام مطر
كانت ليبيا فى الأيام التالى للثورة الشعبية التى أنهت اثنين وأربعين عاما من حكم معمر القذافى مفعمة بالأمل. لم أر فى حياتى بلادا يتنازعها الخوف والتفاؤل بهذه الشدة. فقد تجمع الناس عازمين على بناء مؤسسات ديمقراطية قابلة للمحاسبة.
برزت فى أنحاء البلاد الفسيحة الدوريات، النوادى، الجمعيات، المنظمات غير الحكومية والجمعيات الخيرية. كل هذا الحراك أظهر نبض حياة مجتمع مدنى كان مطموسا تحت الرقابة والعنف.
أما الآن فنحن نقف على شفير هاوية الحرب الأهلية. فميليشيات مصراتة والزنتان تمزق طرابلس، بنغازى تزلزلها الانفجارات، شاع الاغتيال والاختطاف، والحكومة تكاد تكون قد انهارت تماما.
أخذت الجماعات المسلحة، التى اشتدت قوتها منذ الثورة، فى التجمع تدريجيا فى فصيلين متحاربين: الأول يجمع الجماعات المتحالفة مع الإسلاميين، والفصيل الآخر يجمع القوات المنظمة لعملية «الكرامة» التى يقودها اللواء خليفة حفتر. التعليم توقف تقريبا. بعض من مدراء المدارس أعلنوا عن طريق موقع الفيسبوك أن الدراسة لن تبدأ فى شهر سبتمبر. فى أحياء من تونس والقاهرة وأسطنبول يمكنك الآن أن تسمع اللهجة الليبية فى المقاهى والمطاعم، وصارت مكاتب سمسرة العقارات تقدم عروض إيجار «مرنة» للعائلات الليبية.
الليبيون مذهولون ومصدومون من العنف الذى أفلت من عقاله. أخذت الشكوك تنتابهم وأصبحت النقاشات صاخبة. انكفأ كثيرون إلى نظريات المؤامرة التى تم تشكيلها فى زمن القذافى. على الرغم من الآمال الكبيرة والمجهودات الجماعية وجد الليبيون أنفسهم عالقين بين الحزن العميق وقيود جماعة «ألم نقل لكم».
•••
الذين يأسفون على نهاية نظام القذافى يتجاهلون أن الفوضى الحالية ما هى إلا نتاج أربعة عقود من القمع.
«ألم يكن القذافى أفضل؟» سؤال خاطئ لأنه لا يبين الحقيقة الموضوعية لليبيا ما بعد الثورة. ولكى يفهم المرء أحداث اليوم عليه أن يتذكر كيف كان شكل الحياة تحت حكم القذافى. فقد كانت الدولة مرسومة حول فرد واحد وعائلته. فالدولة كانت أشبه بالمافيا منها لبنيان سياسى. وبالتالى كان إنهاء الدكتاتورية يعنى إنهاء الدولة.
بدون جيش وطنى كامل الفاعلية وقوات شرطة ومؤسسات الدولة فإن بناء حكومة ديمقراطية قابلة للمحاسبة سيكون شديد الصعوبة. ويضاف إلى ذلك ميراث القذافى من قمع المعارضة. ليبيا الحديثة تبلغ من العمر خمسا وستين عاما «منذ عام 1951» وطوال حوالى ثلثى هذه الفترة كان يحكمها صوت واحد. فعلى ضوء هذا التاريخ يصبح من الصعوبة بمكان بناء جو سياسى يسمح بالاختلاف والتعددية ويشجع عليهما.
لقد قضى كثيرون نحبهم محاولين مواجهة هذا التحدى. فخلال السبعينيات سجن المفكرون الماركسيون وعذبوا. وسلبت حرية وأموال دعاة الاقتصاد الليبرالى الجديد خلال الثمانينيات. وواجه الإسلاميون السجن والموت خلال التسعينيات. لم ينج سوى الإسلاميين بكيان سياسى متماسك فقد ساعد التمويل الخارجى والحرب فى العراق وأفغانستان على استمرارهم وتدريبهم. واليوم تريد التيارات المتشددة من الإسلاميين أن تملى على الليبيين مستقبلهم. هم يختلفون عن القذافى ولكنهم يتفقون معه تماما فى طريقة التعامل مع معارضيهم السياسيين.
•••
فى مثل هذا الوقت من العام الفائت أطلق الرصاص على محامى حقوق الإنسان عبدالسلام المسمارى وهو خارج من المسجد فى بنغازى. كان من بين من حضر جنازته المحامية سلوى بوقعيقيص والقاضى مروان الطشانى. كان مروان الطشانى قد كتب تأبينا للمرحوم.
سألته سلوى: «كم صفحة؟».
أجاب مروان: «صفحتان».
سلوى لم ترضها الإجابة فقالت: «كان عليك أن تكتب صفحات أكثر». ثم ابتسمت وأضافت: «من يا ترى سيكتب تأبيننا؟».
وفى شهر يونيو الفائت، بعد حوالى أحد عشر شهرا من اغتيال المسمارى، اقتحم أفراد إحدى الميليشيات منزل سلوى بوقعيقيص وطعنوها وأطلقوا عليها الرصاص عدة مرات.
كتب مروان الطشانى تأبينها. كتبه من تونس التى فر إليها بعد تلقيه تهديدات بالقتل. نشر مروان التأبين فى صفحته على الفيسبوك التى تظهر صورة غلافها ثلاث صور شخصية بالأبيض والأسود لثلاث من أصدقائه الراحلين: عبدالسلام المسمارى وسلوى بوقعيقيص والصحفى مفتاح بوزيد، رئيس تحرير صحيفة برنيق اليومية، والثلاثة لم يكلوا ولا يهنوا فى سبيل الدعوة لحقوق الإنسان وسيادة القانون والديمقراطية، اغتيل ثلاثتهم فى ظرف سنة واحدة.
•••
للأحلام عواقب. لا تراجع. فالثورة ليست مسيرة لا ألم فيها نحو بوابات الحرية. بل هى نظال بين الغضب والأمل، بين إغراء التدمير والرغبة فى البناء. مزاج الثورة متهور. الثورة رد معذب على الماضى، رد على عل كل ما حصل، على الظلم الذى مازال فى الذاكرة والظلم المنسى، لأن ذاكرة الثورة تمتد إلى الوراء زمنا أطول من ذاكرة أبطالها.
أنشأ القذافى الظروف المثالثة للسياسات غير المتسامحة والعنيفة. وسيكون من الصعب تجاوز الندوب والعادات القديمة التى كانت فى ليبيا فى عهده. ولكن هناك شىء واحد مؤكد: العزيمة على تجاوزها أقوى من أى وقت مضى. فتصميم المجتمع المدنى مدهش. وضعت الثورة فكرتى الديمقراطية والتنظيم الذاتى فى الأفق. نعم توجد الآن بعض النكسات وهناك خشية من أن هذه الروح سيتم القضاء عليها، ولكن ليس بعد.
منذ عدة أسابيع مضت ذهب صديقى، الذى كان قد عاد إلى ليبيا بعد الثورة وأسس جمعية خيرية هناك، ذهب إلى المصرف ليسحب مبلغا نقديا ليغطى به ميزانية الجمعية. وبينما هو يقود السيارة مبتعدا عن المصرف اكتشف أن سيارة تتبعه. حاول أن يلفت من الملاحقة وعندما ركن سيارته أمام منزله ظهرت السيارة من جديد. خرج رجل من السيارة وأشهر مسدسا بوجه صديقى وأخذ نقوده. رجع صديقى لشقته القديمة بالمنفى، ليعيش فى الخارج كما حسبت، ولكنه لم يعد سوى ليحزم أمتعته. كما أخبرنى هو: «بعد السطو على هذه هى الطريقة التى أراد بها، المثابرة».

الشروق

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق