الثلاثاء، 22 يوليو، 2014

تطور"رهاب المؤسسة العسكرية" في ليبيا المعاصرة
عمر أبو القاسم الككلي
عَقِبَ الحرب العالمية الثانية، بسنوات قليلة، بدأت ظاهرة الانقلابات العسكرية في المنطقة العربية، حيث وقع أول انقلاب عسكري صريح في سوريا سنة 1949 بقيادة حسني الزعيم. أعقبه اتقلاب 23 يوليو في مصر سنة 1953 بقيادة جمال عبد الناصر. ثم تنامت هذه الظاهرة.

هذا الوضع أحدث توجسا من المؤسسة العسكرية التي أخذت "تنقلب" على السلطة السياسية التي"تعلوها"، فتستولي على الدولة وتحل سلطة عسكرية بدل السلطة المدنية، بحيث يتحول نظام الدولة من نظام مدني، السلطة فيه للمدنيين، إلى نظام عسكري، السلطة فيه للعسكريين. وبالتالي نشأت ظاهرة جديدة هي ظاهرة الأنظمة العسكرية وتحولت المؤسسة العسكرية من مؤسسة غير سياسية، تأتمر بأوامر سلطة سياسية مدنية، إلى مؤسة سياسية مسلحة تتولى مقاليد الأمور في الدولة وتقوم بالتحولات على مستوى البلد.
الأنظمة السياسية المدنية في الدول حديثة الاستقلال، التي لا توجد فيها مؤسسة عسكرية عريقة، عملت على تفادي بناء مؤسسة عسكرية قوية، كي لا تكون كمن يعطي سلاحا لخصمه كي يقتله به أو كمن يحفر قبره بيده. وحاولت أن تركز على بناء قوة موازية للمؤسسة العسكرية، بعيدة عن الانقلابات بطبيعتها، تكون مجهزة بوسائل القوة على نحو يفوق قوة المؤسسة العسكرية وتكون قادرة على إحباط ودحر أية محاولة انقلابية يمكن أن تقوم بها هذه المؤسسة.
هذه القوة البديلة، أو الموازية، هي قوة الشرطة.
وكان هذا، تماما، هو النهج الذي اُتبع في ليبيا إبان العهد الملكي. حيث تم الاعتماد على قوة تتبع وزارة الداخلية وتشكل جزءا من بنية الشرطة مجهزة ليس لـ"مكافحة الشغب" فقط، وإنما للدخول في أية مواجهة عسكرية محتملة. أطلق على هذه القوة في البداية اسم "قوة دفاع برقة" باعتبارها تابعة لحكومة ولاية برقة في الفترة الاتحادية، ثم أعيدت تسميتها بـ"القوة المتحركة" بعد إلغاء النظام الاتحادي وإحلال النظام الوحدوي محله.
طوال الفترة الملكية كان المنهج المتبع إزاء المؤسسة العسكرية يتمثل في إبقائها مؤسسة ضامرة وقوة ثانوية في مقابل القوة المتحركة الداخلة في قوام الأجهزة الأمنية، وليس العسكرية بالمعنى التقليدي.
بعيد مجيء معمر القذافي بفعل انقلاب قامت به المؤسسة العسكرية أُلغيت "القوة المتحركة" وتم التركيز على إعادة بناء المؤسسة العسكرية وتقويتها بشكل يلبي مطامحه في بناء جيش قوي ضارب قادر على التدخل في بقاع أخرى خارج الحدود الليبية.
لكنه سرعان ما اكتشف أن هذه المؤسسة، وهي مؤسسته التي أوصلته إلى السلطة، لا أمان فيها. وذلك بعد المحاولة الانقلابية التي افتضحت سنة 1975، والتي ضلع فيها عدد من رفاقه، أعضاء مجلس قيادة الثورة، أبرزهم عمر المحيشي. فبدأ، رغم استمراره في تقوية المؤسسة من ناحية التسليح، بإعادة بنائها على أسس جديدة تراعي الولاءات والتحالفات السياسية القبلية وتم كسر التراتبية والانضباطية العسكرية، وعلى الجملة، اتخذت عدة أساليب ووسائل (لسنا في معرض تعديدها الآن) لتمييع المؤسسة العسكرية وشلها للحيلولة دون أية إمكانية للقيام بانقلاب على سلطته. وفي النهاية فكر في العودة إلى المنهج الملكي في خلق قوة ضاربة موازية للمؤسسة العسكرية تمتلك وسائل قوة تفوق قوة المؤسسة. لكنها لا تتبع الداخلية، هذه المرة، وإنما تتبعه هو وأبناءه مباشرة. أي تتبع أسرته، أطلق عليها اسم "الكتائب".
بعد أحداث فبراير والوضع الذي نتج عنها تتطور الخوف من المؤسسة العسكرية والعداء لها إلى محاربتها (بالمعنى القتالي للكلمة) واستهداف إزالة وجودها المادي نهائيا والاعتماد على"كتائب" لا تتبع قيادة موحدة، هذه المرة، وإنما تتبع تحالف أمراء حرب ينظرون إلى الوطن كغنيمة حرب ينبغي تقاسمها بين المنتصرين "من كلٍ حسبَ سلاحِهِ، لكلٍ حسبَ قوَّتِهِ".

بوابة الوسط

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق