الأحد، 15 مايو، 2011

رئيس وزرائها المؤقت ينشد تعاوناً أميركياً: ليبيا... حان الوقت لدعم جذور الديمقراطية

فريد حياة : هل تمثل حالة "لا غالب ولا مغلوب" الحالية في ليبيا نعمةً خفية بالنسبة للديمقراطية العربية؟ وإن كان الأمر كذلك، فهل ستكون الولايات المتحدة نبيهة وسريعة بما يكفي للاستفادة من هذا الأمر؟

الأكيد أن لا نعمة توجد في معاناة مدنيين أُجبروا على الفرار من القتال أو تعرضوا للقصف، في مدينة مصراتة المحاصَرة، على أيدي القوات الموالية للقذافي. وإذا لم تتم تنحية القذافي قريباً، فإن المأزق الحالي يمكن أن يتطور إلى كارثة. غير أنه خلال الثلاثة أشهر الماضية في وقت يسيطر فيه الثوار على شرق البلاد ويتمسك فيه القذافي بالسلطة في طرابلس، أتيحت للديمقراطيين الليبيين فرصة لم تتوفر لنظرائهم في تونس ومصر وغيرهما، ألا وهي الاستعداد لحكم البلاد متحررين من أي تأثير للنظام القديم.
والواقع أن الليبيين اغتنموا هذه الفرصة على أفضل نحو حيث شكلوا فريقاً مؤقتاً لتسيير شؤونهم يرمز إلى كل ما حاولت ديكتاتورية القذافي خنقه والقضاء عليه: الديمقراطية، حكم القانون، حرية الصحافة، مجتمع مدني مستقل، إلخ. وفي هذا السياق، يقول "توم مالينوفسكي"، مدير فرع منظمة "هيومان رايتس ووتش" في واشنطن بعد زيارته لبنغازي التي تخضع لحكم الثوار: إن الصحف والمنظمات التطوعية والنشاط السياسي الحر أخذت تزدهر حتى العبارة المرسومة على الجدار تقول "إننا نريد دولة مؤسسات"، مضيفا "وهم لا يريدون زعيماً كاريزمياً".
وإذا كان الأمر كذلك، فيبدو أنهم قد وجدوا ضالتهم في محمود جبريل، رئيس الوزراء المؤقت للمجلس الوطني الانتقالي. وجبريل هذا رجل أعمال عذب الحديث تابع جزء من دراسته العليا في جامعة بيتسبورج، ويبدو صادقاً إلى حد كبير. ويمثل اللقب الطويل للمنصب الذي يشغله إشارة مقصودة إلى أنه والمجلس لا يرغبان في فرض السلطة، مثلما يقول، وإنما يقومان فقط بتدبير الأشياء إلى أن تصبح ليبيا موحدة من جديد، ويستطيع كل الليبيين التصويت على دستور ديمقراطي في استفتاء تشرف عليه الأمم المتحدة.
جبريل يشعر بالإحباط لأن إدارة أوباما ترفض القيام بالمزيد من أجل مساعدة الثوار، ولكنه يشرح الأساس القانوني للبطء على نحو ينم عن بعض التفهم. كما يبدي تفاؤلاً حذراً بشأن آفاق الديمقراطية - إذ قال خلال زيارة لمقر صحيفة "واشنطن بوست" الأربعاء الماضي: "ربما لدينا فرصة ما" - ولكنه يفهم أسباب تشكك بعض الأجانب.
فمصر على الأقل لديها تاريخ في الأحزاب السياسية والنقاشات داخل المقاهي؛ أما الحكم الشمولي للقذافي، فلم يترك أي مجال لذلك. ومع ذلك، يقول جبريل، إن المعارضة لم يحدث بها انقسام، لأنه لم تكن ثمة أحزاب من قبل. ويقول في هذا الإطار: "ليس لدينا تاريخ تنظيمي، ولكن لدينا بنية للتحدث إلى العالم"، مضيفاً "وبالتالي، فهذه حالة جديرة بالدراسة". تفاؤل جبريل لديه جذور في شيء أعمق مما تم تحقيقه خلال هذه الفترة الانتقالية؛ فهو يستمد الأمل من الاختلاف الذي يراه بين جيله والشباب الذين قاموا بالثورة عبر العالم العربي. فجيل جبريل تظاهر ضد الامبريالية أو من أجل الوحدة العربية أو قيام دولة فلسطينية، مثلما يقول، وتحدث عن "المطالب والاحتياجات والرغبات". أما الجيل الجديد، "فيتحدث عن الديمقراطية، ويتحدث عن حياة كريمة". ثم "إن هؤلاء الناس ليس لديهم خوف. إنهم عكس جيلنا تماماً حيث كان الخوف يمثل جزءاً مركزياً من نظامنا الإدراكي".
جبريل التقى بمستشار الأمن القومي الأميركي "توماس دونيلون" يوم الجمعة الماضي، وقال إن رسالته كانت بسيطة: "إننا حقاً في حاجة ماسة إلى أموالنا". فالفرنسيون والإيطاليون والقطريون وآخرون كانوا مرنين، يقول جبريل، حيث وفروا قدراً أكبر من الدعم للنظام الجديد وأتاحوا إمكانية الوصول إلى الودائع المالية الليبية المجمدة، مضيفاً: "ولكن حتى الآن لم يحالفنا الحظ نفسه مع الحكومة الأميركية أو البريطانيين".
هذا التحذير يمثل الرد الإجمالي لإدارة أوباما على الربيع العربي الذي مازالت تتكشف تفاصيله تباعاً؛ ذلك أنها لم تضغط على الرئيس المصري السابق حسني مبارك حتى أوضح الشعب المصري جيداً أن مبارك قد انتهى. ولم يقل أوباما أي كلمة حتى الآن (وإن كان البيت الأبيض قد أصدر بيانات) حول قيام النظام السوري بتذبيح المئات واعتقال الآلاف. وفي ليبيا، دعم أوباما العمل العسكري من أجل حماية المدنيين، ولكنه جعل الدور الأميركي محدوداً؛ حيث دعا إلى رحيل القذافي، ولكنه شدد على ألا تكون العملية العسكرية موجهة لذلك.
والواقع أنه في كل واحدة من هذه الحالات، كانت للبيت الأبيض أسبابه؛ ولا أحد يمكنه أن يشك في مدى تعقيد الحسابات؛ غير أن ثمة خطراً في الحذر المبالغ فيه أيضاً: خطر أن يُنظر إلى الولايات المتحدة في المنطقة على أنها تقف في الجانب الخطأ، وعلى أنها تُضيّعُ فرصاً لتشجيع الديمقراطية العلمانية في المكان حيث كانت قلة قليلة قبل بضعة أشهر فقط تحلم بإمكانية أن تزدهر.
اليوم، تقوم إدارة أوباما بدعم تشريع قدمه السيناتور جون كيري (الديمقراطي عن ولاية ماساتشوسيتس) للبدء في الإفراج عن بعض الودائع المالية لرئيس الوزراء الانتقالي وفريقه؛ ولكن جبريل لا يخفي خشيته من أن يكون الوقت قد فات حين يحدث ذلك (بالنظر إلى طول الإجراءات في الكونجرس). والواقع أن عدد سكان ليبيا يبلغ 6 ملايين نسمة فقط، مقارنة مع 74 مليون نسمة في مصر و19 مليون نسمة في سوريا. ولكن أي نجاح للتغيير في أي بلد عربي سيكون له صدى بين الديمقراطيين عبر كل المنطقة، وكذلك الحال بالنسبة للفشل. ولا شك أن من شأن انتصار القيم التي ينتصر لها محمود جبريل أن يمثل نجاحاً كبيراً.
فريد حياة / محلل سياسي أميركي
المصدر: الإتحاد الإماراتية عن «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق