الثلاثاء، 17 مايو، 2011

يا ليبيا قدرا كان الطغاة هنا ... لكن منك رجالا غيروا القدرا

خالد محمد جهيمة: هذا البيت من قصيدة كتبها منصور الرحباني في مدح أعضاء الانقلاب المشؤوم الذي وقف سدا منيعا بين ليبيا وآمالها في أن تصبح دولة حديثة, وفي ذم رجالات عهد الاستقلال , الذين وصفهم بالطغاة, وقد كانوا أبعد على الطغيان, بعد الانقلابيين عن العدل,
وغناها ملحم بركات أمام سَدنة, باب العهر وكاهنهم في ثمانينيات القرن الماضي؛ لاقتناص بعض الدولارات من أموال الشعب الليبي, لكن لا أظن انه قد فاز بمبتغاه؛ لأن القصيدة تمدح رجالا, في حين أن من كان يملك خزائن بترول ليبيا لم يكن يرى فيها رجلا آخر غيره. أما أولئك الذين غرر بهم؛ لتنفيذ خطة استيلائه على البلد, أعني بهم الضباط العبيد, فقد قتل منهم من شعر بعدم رضاهم عنه, واستخدم من بقى منهم سائقي سيارات أجرة لضيوف خيمته, من المرتزقة, أفارقة, وأوروبيين, وآسيويين, وأمريكيين لاتينيين.

هذا هو الطاغية الحقيق
لم يتورع هذا الطاغية عن تعذيب الأطفال, والشيوخ, وهو ليس بغريب عن أمثاله؛ فالسن تعطف كل قلب مهذب عرف الجدود, وأدرك الآباء. أما هو فلم يعرف أبا, ولم يدرك جدا؛ لذا فلم يتورع عن سجن, وتعذيب كل من فكر مجرد التفكير في انتقاده, أوفي إبداء مجرد الاعتراض على أي من قراراته التي أملتها عليه نوبات جنونه المتكررة. لقد حبس على الليبيين أنفاسهم, ومنعهم من التعبير عن إرادتهم, وسلط عليهم زبانيته, من لجان غوغائية, وأمن سياسي, ورمى بخيرة شبابهم في السجون, وفي أتون الحروب التي لا ناقة لهم فيها, ولا جمل في تشاد, وفي أوغندا, وفي غيرها من دول القارة السمراء, وزرع بينهم الفتن, وبذر بذور الشك بين أبناء العائلة الواحدة؛ فأصبحوا يخافون بعضهم بعضا, وحرضهم بعضهم على بعض, ودعاهم إلى أن يتجسس كل منهم على الآخر , فوصل الأمر ببعض الأوغاد إلى أن يكتب تقريرا عن أبيه, فاستدعته اللجان الغوغائية للتحقيق معه, وواجهته بما كتبه عنه ابنه العاق, وأعني به القائم بأعمال سفارة العائلة الساكنة بابَ العهر في الهند, وهي قصة متواترة يعرفها القاصي, والداني من سكان البلدة التي تنجست بميلاده, هو وأمثاله على ترابها.

الفتية الذين غيروا (الواقع)
إنهم فتية آمنوا بالحرية, وازدادوا هدى إذ قاموا, فقالوا للطاغية , في سلم, ارحل عنا (خرجنا في سلم قلناله خطانا تما ذيب يسحابنا أغنام) , فكشر عن أنيابه, ورد عليهم متسائلا من أنتم أيها الجرذان (حشاهم ما هم جرذان ظهروا فرسان أسود تكاحر في الميدان), ثم أطلق عليهم مرتزقته المدججين بكل الأسلحة الفتاكة, فواجهوهم بصدورهم العارية, وبجباههم السامية, وسقط منهم الآلاف, جرحى, وشهداء تعلو شفاهَهم ابتسامةُ الرضا (عجبت لهم تغطيهم دماء ويبتسمون في فرح شديد), وانتصروا عليه بدمائهم الزكية الطاهرة التي عمدت تراب وطنهم الطاهر, ولسان حالهم يقول : (تراب الوطن راوي من دمانا يا تحته خير يا فوقه كرامة) رجال عاهدوا وطنهم على استخلاصه من قبضة الطاغية, وعائلته, وزبانيته, فمنهم من قضى نحبه, ومنهم من ينتظر, وما بدلوا تبديلا. لقد لبوا نداء الأرض أمس بمهجة, ولم يخشوا إلا للسماء قضاء لقد قاوموه, وهو الذي دجج كتائبه المجرمة بأحدث الأسلحة, خفيفها, وثقيلها, بما تيسر لهم من سلاح خفيف, وعزيمة ماضية, سائرين على نهج جدهم شيخِ العروبة الذي لم يكن يغزو على تنك, ولم يك يركب الأجواء, لكن أخو خيل حمى صهواتها, وأدار من أعرافها الهيجاء. من هؤلاء .

فتحي الجهمي
لقد قاوم هذا البطل الطاغيةَ عندما كان في أوج قوته, وعندما كانت خيمته تغص بالزوار , من كل جنس, ولون, يَحجون إليها طمعا في أموال ليبيا, وخيراتها. تلك الخيرات التي لم يبخل بها عليهم ساكن الخيمة/القصر؛ ليرضوا عنه, ويَقبلوا بمشروع التوريث الذي كان يعده لإحلال ابنه من بعده على صدر ليبيا. صَدح فتحى بكلمة الحق في وجه نيرون العصر, فسجنوه, وعذبوه , ثم خرج أكثر إصرارا على مفاصلة هولاكو هذا الزمن, فهددوه بالسجن, إن لم يصمت, فلم يبال, ولسان حاله يقول : إن السجن أحب إلي مما يدعونني إليه. لقد نفذوا أمرهم بسجنه, ثم قتلوه بعد ذلك؛ ليلحق بحمزة, وصحبه.

جمال الحاجي
لم يكل هذا المناضل من مفاصلة الطاغية على مدى العشر سنوات الأخيرة, مطالبا بالحرية, والديمقراطية, وحرية التعبير, ومحرضا الليبيين على الخروج للمطالبة بحقوقهم, فكان جزاؤه السجنَ مرات عديدة, لكنه كان يخرج في كل مرة أكثر إصرارا من ذي قبل على الثبات على مبادئه. ويكفيه شرفا أنه كان أول من دعا إلى التظاهر لإحياء ذكرى مجزرة 17 فبراير, التي وقعت أمام القنصلية الإيطالية في مدينة بنغازي, فاختُطف, وسجن, فك الله أسره, هو وباقي إخوانه , وحماهم من شر الطاغية, وبغيه.

محمد المهدي زيو
من هؤلاء أيضا محمد المهدي زيو الذي راعه ما فعله مرتزقة الطاغية المتحصنون داخل أسوار كتيبته الأمنية الخرسانية, والمدججون بأحدث أنواع الأسلحة, وأعتاها, بشباب مدينته الذين قابلوهم بصدور عارية, وعزم لا يكل, من قتل , وسفك دماء, فقرر أن يفديهم, ويفدي مدينته, ووطنه, بروحه. لقد شكل اقتحامه أحد أبواب الكتيبة بسيارته, التي تفجرت بما حملت من اسطوانات غاز لتفتح الطريق أما شباب "رباية الدايح" لولوجها, وتحرير من كان فيها من المعتقلين, البدايةَ الحقيق لتحرير بنغازي , وباقي مدن ليبيا من قبضة الطاغية , وعائلته, ومرتزقته, وليبدأ فجر الحرية في البزوغ , بعد ليل طويل دام مدة اثنين وأربعين سنة, اليوم الواحد فيها بألف سنة مما يُعد في عالم الأحرار. لقد فضل هذا البطل أن تعيش ابنتاه, وكذلك زوجه , وهو غائب عنهم, جسدا لا روحا, وباقي أبناء ليبيا حياة حرة, وكريمة, على أن يحيوا, وهو حي يرزق بينهم, حياة الذل, والهوان, والعبودية.

مهند بن صادق
لقد كتب أحدهم معلقا على الصفحة التي خصصت له على الفيسبوك هذه العبارة الرائعة "إذا كانت السماء تفخر بوجود السماء فيها, فمن حق الأرض أن تفخر بوجود الرجال عليها". نعم حُق للأرض أن تفخر بأمثال مهند الذي رفض مغادرة بلده إلى أمريكا ؛ ليلحق بأمه المقيمة هناك, وينعم برغد العيش, وطيبه في تلك البلاد التي ترفرف عليها رايات الحرية , وتستظل في ظل شجرة الديمقراطية , التي غرسها الآباء المؤسسون , وسقتها, وحافظت عليها الأجيال التالية جيلا بعد جيل, وقرر أن يبقى على تراب ليبيا, ليُسهم في رفع الظلم عنها, وتحريرها, وتطهيرها من رجس سكان باب العهر. لقد ذهب في الشجاعة مذهبا جعله يرد على رفاقه الذين نصحوه بالانسحاب معهم من مدينة البريقة, عندما اشتد وطيس المعارك, واتضح أن لا مقارنة بين ما يملكونه من أسلحة خفيفة, وبين ما يحوزه أزلام الطاغية, ومرتزقته, من أسلحة ثقيلة, برية, وجوية, وبحرية, وهم محقون في هذه النصح, بأنه لن يتراجع , بل سيبقى حتى ينتصر, أو يموت.

لقد أحب هذا الملاك الحياة على هذه الأرض؛ لأن عليها ما يستحق الحياة, بحسب ما روت أمه, ونعم الأمُ هذه التي لم تتجرأ, كما قالت, على مجرد الطلب منه عدم المشاركة في المظاهرات, ثم في المعارك بعد ذلك, وهو قرة عينها . كيف لها أن تفعل, وهي التي ربته على حب الحياة بكرامة, وأرضعته الحرية في لبنها ؟ إنَُ لكنَُ , يا أمهات ليبيا, في هذه الأم, ومن هن على شاكلتها, أسوة ٌحسنة, لمن كانت ترجوا لأهلها, ووطنها العيش في ظل الحرية, ورغدها.

حسن دربوك
لقد انضم هذا الضابط الحر, بحق, وسليل المجاهدين, إلى ثوار الزاوية , إلى جانب بعض الضباط , والجنود الآخرين, منذ أن أعلنوا انتفاضتهم في وجه الطاغية, وعائلته, ومرتزقته, وأصبح قائدهم في الميدان, فهو لم يكتف بتقديم النصائح, وإعداد الخطط, وهو عمل كبير في حد ذاته, بل أصر على المشاركة في المعارك إلى جانب إخوانه من الثوار, فكان لهم نعم الرفيق, والصديق, والقائد, وقاتل حتى سقط شهيدا في يوم الجمعة الدامي , الذي أطلق فيه مرتزقة القذافي النار على المصلين.

محمد الحلبوص
لقد قاد هذا البطل, وهو سائق شاحنة, الثوارَ في إحدى جبهات المقاومة في مصراتة, عرين الأسود, وأبلى في كل المعارك بلاء حسنا, حتى قيل إنه قد دمر عددا من دبابات الطاغية يفوق ذلك الذي دمرته قوات التحالف في ذات الرمال. لقد وصفه رفاقه بالشجاعة, والإقدام, وقالوا عنه إنه كان يشارك في كل المعارك التي خطط لها حتى سقط شهيدا في إحداها, لكن كتيبته استمرت من بعده في أداء المهمات نفسها التي كانت تقوم بها قبل استشهاده, وساهمت في تحرير مصراتة , ليرجع هواها نقيا طاهرا من رجس اشكالون, وزمرته يداوي الجروح, ويمسح الدمع.

طوبى لهؤلاء الشهداء, ولكل الشهداء , الذين سقطوا على مذبح الحرية, ولأولئك الذين أوذوا في سبيلها , سجنا, ونفيا, وحرمانا. أقول لهم : سلاما من حنايانا ونسرينا وريحانا.

المصدر: مواقع ليبية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق