الثلاثاء، 31 مايو، 2011

أمجاد التاريخ .. بين أباطيل القذافي وحقائق "شيشنق"

محمود الدسوقي: كان القذافى سباقاً إلى اختراعات تاريخية مضحكة كبقيةأحواله العجيبة، تمزج العظمة التاريخية لملوك شمال إفريقيا بعظمته الحاضرة المفتعلة والمضطربة ولكنه أقنع نفة وعلى رءوس الأشهاد في خطبته الكوميدية " التاريخية" الشهيرة "أنا مجد لا تتخلى عنه ليبيا"، قانعا بأنه مجد ليبيا والعرب وربما الإنسانية.
وأراد معمر أن يسحب على التاريخ أمجاده المضحكة المبكية فإذا به يخرج علينا باحتفاليته بالملك المصري ذي الجذور الليبية الملك شيشنق وبمناسبة مرور (2957 سنة على انتصاره على الفراعنة).. (رباه ماذا جنينا!)
وفي احتفالات كبيرة جعلها وطنية لأسباب تخص تفكيره الذي ينحو منحنى الغرائبية والجنون هي أكثر ما يميزه في ارتباطه بمصر التي صنعته رئيساً لبلده الذي يشعل فيه حرباً من أجل بقائه فى السلطة القابض عليه منذ ستينيات القرن الماضي حتى الآن.
الاحتفال الذي يقيمه القذافى جعل الكثيرين يطلقون عليه شيشنق ليبيا في مدوناتهم وعالمهم الافتراضي من خلال شبكة الإنترنت وهو الاحتفال الذي جعل المنتمين للفكر القومي العربي أيضاً يستغربون في مقالاتهم الراصدة للاحتفال من رئيس دولة عربية صنعته شعارات القومية العربية في عصر جمال عبد الناصر والتي صار يخونها في شعارات القومية القطرية الضيقة قبل أن يخون شعبه المسالم.
ولكن من هو شيشنق الذي له صروح في عاصمة مصر القوية مدينة طيبة أو الأقصر حالياً؟!.
التاريخ يجيب إنه من خلال حكم الأسرةالواحدة والعشرين التي دام حكمها مائة وثلاثين عاما تقريبا، عصفت في نهاياتها الأحداث بمصر من الداخل والخارج وعم الفساد بالدولة مما أدى إلى تفكك البلاد ولم يجد الفرعون بداً من محاولة حل المشاكل سلميا واضطر من خلالها إلى مهادنة مع مملكة إسرائيل أيضا التي كانت قوتها تتعاظم في فلسطين تحت حكم داود النبي.
ومن ثم كان ظهور شيشنق وتزوجه من ابنة الفرعون بسوسنس الثاني آخر ملوك الأسرة الواحدة والعشرين، أعلن قيام الأسرة الثانية والعشرين، وكان ذلك حوالي عام 940 قبل الميلاد.
ونجح في تولي الحكم في مصر وديا وسلميا ليس كمحتل، وفي عهده كتب في طيبة أقوى المعارك التي قادها منتصرا.
الدكتور زاهي راجح المتخصص في المصريات قال لـ"بوابة الأهرام": رغم أن حقبة العنصر الليبي الذي حكم مصر يجعلها بعض الدارسين حقبة احتلال، إلا أن من المؤكد أن ليبيا كانت مقاطعة مصرية وأن شيشنق الذي تعتز به قبائل الأمازيغ الذي جعل التقويم الأمازيغى الشمسي مشهوراً في العالم القديم كان متأثراً بالمصرية حتى في الزى والعبادة مما يعنى أنه ملك مصري خالص استطاع من خلال عاصمة مصر الخالدة القوية آنذاك بسط نفوذه على فلسطين والدخول في حرب مع بني إسرائيل وضم بلاد الشام ومصر والسودان في دولة واحدة وأن يذكر في التوراة أيضا بسبب حروبه القوية لإحياء جزء بسيط من عظمة الإمبراطورية المصرية القديمة فيما بعد عصر الرعامسة.
كتب أحد الصحفيين قائلاً على احتفال الأمازيع بشيشنق: الاحتفال بشيشنق عند قبائل الأمازيع مشهور دائم بفكرة التقويم وهو خلاف التقويمين الميلادي والهجري، حيث لا يرتبط بأي حادث ديني، بل بحدث تاريخي وهو ذكرى انتصار القائد الأمازيغي شيشنق الأول على الفراعنة في فترة حكم رمسيس الثاني وتوحيده ليبيا مع مصر والنوبة وبلاد الشام حيث كانت ليبيا أول بلد في شمال إفريقيا يعلن هذه المناسبة ذكرى وطنية وهو ما لم يحققه الأمازيغ في المغرب العربي والذين ينتظرون اعتبار هذا اليوم عيدا وطنيا أيضاً.
الدكتور عصام محمد متخصص في الترميمات الأثرية قال لـ"بوابة الأهرام" إن مصر لم تحتفل مثلاً برمسيس الثاني الذي دانت له البلاد أجمعها منها ليبيا والعراق وبلاد الشام وإن القذافى باحتفاله بشيشنق الذي هو حاكم مصري حتى لوكانت جذوره ليبية كان يحابى قبائل الأمازيغ الذين لم يأخذوا حقوقهم في عصره وأضاف أن التقويم الأمازيغى انتشر من خلال مصر على يد الملك شيشنق وأن القذافى يعانى من عقدة نقص أمام عظمة مصر لذا كان دائما يحتفل بالملك شيشنق الذي اجتمعت فيه أوصاف بطولية ولكن لم يتساءل القذافى أبدا أن مصر هي التي أعطت وطنه ليبيا هويتها حتى هويتها العربية التي كانت من خلال مصر.
وأكد عصام أن على المختصين في الثقافة المصرية إعادة تصحيح معتقدات قبائل الأمازيع وأبناء شمال إفريقيا الذين ينظرون لشيشنق على أنه انتصر على رمسيس الثاني وهذا خطأ تاريخي فادح حيث لا صلة علي الإطلاق بين شيشنق ورمسيس الثاني. لأن ما يفصل بينهما أكثر من مائتي سنة من الزمان، إذ عاش رمسيس الثاني أوائل القرن الثالث عشر ق.م وكان شيشنق في النصف الأول من القرن العاشر ويبدو أن القذافى لايعبأ بالأخطاء التاريخية بل يعضضها للأسف.
في احتفالات ليبيا بالملك شيشنق كتب الباحث الليبي الكبير الدكتور على فهمي خشيم قائلا بعد أن نفى شبهة انتصار شيشنق على رمسيس الثاني إن شيشنق لم يكن أمازيغيا بل شيخ قبيلة ليبية تدعي (المشوش) وتبرهن تماثيله التي نحتت له ومومياؤه المحفوظة حتي الآن وكل ما يتصل به، وبأسرته من بعده علي أنه كان فعلا قد حقق الوحدة بين ليبيا ومصر، وهي التي لم نستطع نحن تحقيقها وأنهى الباحث الكبير الذي له دراسات جادة في المصريات حديثه قائلاً إن شيشنق تمصر وصار مصرياً وكان كاهناً للإله آمون المعبود المصري الشهير وهذا ماتدل عليه آثاره التي خلفها في مصر ومن ثم فإنه لم يكن أمازيغياً ولم ينتصر على رمسيس الثاني وأن الاحتفال الذي يفصل بين أقطار أمتنا العربية مرفوض.
وكم من الجنون قدمه القذافى لأمته حتى في تاريخها القديم.. قدم جنونه الغريب المغاير لقواعد التاريخ والجغرافيا أيضا.
المصدر: الإهرام

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق