السبت، 12 مارس، 2011

صالح عوض: مخاض عسير

إنها إرادة الحياة العنيدة، تنتزع الحرية المدماة من بين شظايا صواريخ القذافي وقنابله، التي تنصب هذه الاثناء على الأحياء السكنية، وعلى أبناء الثورة الليبية.

 أجل إنه مخاض عسير تعيشه ليبيا منذ اسابيع ثلاثة، شدت انتباه العالم لها، لما تميزت به من عنف المواجهة بين الشعب المتناثر على جغرافيا شاسعة، كان النظام ولأمد طويل يعتبرها أحد أوراق القوة بيده.. مخاض قد يحتاج لعملية جراحية خارجية، يكتنفها الخوف من تشوهات تلحق بالمولود..

 لم يكن في وارد التخيل، أن يوجه نظام دباباته وطائراته لقصف الأحياء السكنية في بلده، ويقوم بتدمير المنشات الاستراتيجية كمصافي النفط، ولكن العقيد فعلها، وهو يهتف بشعارات الثورة إياها.. ولكن الجديد في خطاب العقيد، أنه يبعث برسائل للغرب يذكره بفضائله التي تحمي مصالحه الاستراتيجية، متمثلة في أمن إسرائيل وأمن البحر المتوسط، وتجنيب الغرب من زحف إفريقي مهاجر إلى أوروبا.. ويهدد المنطقة كلها بعنف قادم من إمكانية تكرار النموذج العثماني، وقرصنة البحر التاريخية.

 ولكننا لا نملك ـ ونحن نتابع لحظات الحرب الطاحنة ـ إلا أن نسجل ملاحظات سريعة لابد من التذكير بها، أولها ضعف النظام العربي والإقليمي، الذي يشاهد بأم عينيه ما يجري في ليبيا، دونما موقف عربي رسمي مفيد، يرفع عن الشعب الليبي المظالم وينقذه من فتنة أرادها زعيمه ان تكون حمراء.. تاركين بذلك لقادة الدول الغربية المسرح فارغا، يخططون ويتحركون وفق اجندات خاصة بهم..

الملاحظة الثانية: أن ليبيا كانت مطمورة تحت التراب الذي يتبختر عليه الزعيم الأوحد، ولم يكن لأحد أن يعتبر أن هناك مثقفين ومفكرين وادباء وشعراء وابطالا ورجالا ليبيين إلا القذافي.. لم نكن نعرف أن لليبيا تاريخا سوى تاريخ العقيد، وهنا لابد من التقدم بالشكر لهذه الثورة، التي فتحت أعيننا على شعب عربي حر، فيه نخب متقدمة في وعيها ولياقتها، وبمجرد أن فتحت المعركة أبوابها حتى تميز جيل رائع من القادة الليبيين الرائعين.

الملاحظة الثالثة: أن القذافي لا يستند لمؤسسة أو دولة، إنما إلى عصابات مسلحة وأموال تحت تصرفه.. فبمجرد انطلاق الشعب في ثورته، انهارت حكومة ليبيا والسلك الدبلوماسي، أما الجيش فانحاز فورا إلى الشعب، وكذلك فعلت كثير من قوى الأجهزة الأمنية والقيادات السياسية، الأمر الذي سهل العمل على عدم ترك فراغ سياسي في البلد، والقيام بتشكيل كيان سياسي يدير المعركة مع عصابات القذافي.

 من هنا، نجد أننا إزاء ثورة مستحيلة ومعجزة، ولكنها منتصرة رغم صعوبة المخاض وعسره، والثقة كبيرة في الليبيين أن لا يسمحوا للأجانب أن يخترقوا الثورة، أو أن يصرفوها عن أهدافها.

 أيام قلائل، بل قد تكون ساعات، ويحتفل شعب ليبيا بانعتاقه، وهنالك يفرح المؤمنون بنصر الله.


 المصدر صحيفة الشروق الجزائرية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق